بعد سبعة أعوام: الربيع العربي يجدد نفسه

سعيد الشهابي: مبادرات "سلمان حمد " هدفها التشويشد. سعيد الشهابي

Jan 15, 2018

كادت منطقة الشرق الاوسط تشهد “ربيعا” آخر بعد سبع سنوات على ما حدث في مطلع العام 2011. فقد حدثت اضطرابات واسعة النطاق في بلدان عربية عديدة، لكنها هذه المرة انطلقت لاسباب معيشية بسبب تصاعد الاسعار وتردي الاقتصادات بشكل عام. ومع ان ثورات الربيع العربي انطلقت اساسا بدوافع سياسية ولكن شعلتها كانت ذات بعد معيشي ارتبط بالشهيد التونسي، محمد بوعزيزي، البائع الجوال الذي انتفض لكرامته بعد ان اهانه موظف حكومي. الانتفاضات التي حدثت الاسبوع الماضي في الجزائر وتونس والسودان والبحرين مؤشر لهشاشة الاوضاع السياسية والاقتصادية في العالم العربي. ولا يعني قمع هذه الاحتجاجات نهاية التوتر في منطقة تبحث عن شاطيء آمن يسوده الاستقرار السياسي وتعمه العدالة والعلاقات الطيبة بين الحاكم والمحكوم. وقد يكون صدفة ان تتزامن الاحتجاجات المعيشية الحالية مع مرور سبعة اعوام على اكبر حركة شعبية شهدها العالم العربي منذ عقود، ولكن من المؤكد ان اوضاع المنطقة لن تستقر بدون اقامة منظومات سياسية واقتصادية تلبي شيئا من طموحات المواطنين. وليس مستغربا ابدا حدوث اضطرابات امنية وسياسية كهذه، فهذا هو المتوقع عندما يكون هناك احتقان عميق الجذور، ولكن المستغرب قدرة النظام السياسي العربي على السيطرة شبه المطلقة على الاوضاع. انها ليست سيطرة محصورة بحدود القطر الواحد، بل ان هذا النظام المدعوم اساسا بالمال النفطي الهائل والدعم الامني الانجلو-الامريكي- الاسرائيلي، استطاع السيطرة على الحدود ايضا. فقد طور منظومته الامنية لتشمل انشاء جهاز “الانتربول العربي” الذي تضم قوائمه عشرات الآلاف من النشطاء العرب. وسعى هذا النظام العربي لاستغلال الانتربول الدولي ولكن نجاحاحته محدودة حتى الآن.

 

في مطلع الشهر الحالي حدثت اضطرابات واحتجاجات في مدن ايرانية عديدة، كان عنوانها في الاساس ذا بعد اقتصادي نتيجة تراجع الاوضاع الاقتصادية في الجمهورية الاسلامية الايرانية، وسرعان ما توسع ذلك العنوان ليستهدف النظام السياسي الذي حكم ايران منذ قرابة الاربعين عاما. يومها تحركت كافة ادوات التحالف المناهض لايران وثورتها وسياساتها، فعرضت وكأنها ثورة عارمة على النظام وانها على وشك اسقاطه الى الابد. النظام الايراني تحرك لاظهار وجه آخر للوضع بتشجيع مسيرات مليونية جابت اغلب المدن واستمرت اسبوعا، واظهرت حجم الدعم الشعبي للنظام السياسي. ولكن ما كادت الازمة الايرانية الداخلية تتراجع حتى انطلقت الاحتجاجات المعيشية في بلدان عربية عديدة، ما تزال مستمرة حتى الآن. ومن الصعب التنبؤ ما اذا كانت ستتحول الى ثورات سياسية، ولكن الامر المؤكد انها تعبير عن حالة احتقان عميق لا تحتاج الا لثقاب صغير لتتحول الى ثورات يسقط فيها الضحايا وتستدعى فيها الاحتياطات الامنية وتبدأ انظمة الحكم في التراجف. والملاحظ ان بلدا عربيا كبيرا على الاقل لم تصله الاحتجاجات بعد، وهي المملكة العربية السعودية برغم الازمات العديدة التي تعاني منها. والملاحظ هنا ان الوفرة المالية لدى الحكم السعودي ساعدته على استباق الازمة باعلان تقديم مساعدة مالية لموظفي الدولة تصل الى حوالي 250 دولارا شهريا تستمر عاما كاملا. جاء ذلك بعد اعلان الرياض (ومعها البحرين والامارات) فرض ضرائب جديدة على السلع الاساسية خصوصا البنزين. هذا الغلاء المفروض ادى لاحتجاجات في البحرين ضمن فعاليات ثورتها التي لم تتوقف منذ انطلاقها قبل سبعة اعوام. ولكن هل تستطيع هذه الدول تحاشي المحذور المتمثل بانتفاضات شعبية تنطلق بدوافع اقتصادية ثم تتحول الى ثورات تغييرية؟ قد يبدو ذلك ضربا من الخيال خصوصا مع وجود سياسات امنية ضاربة لدى هذه الانظمة، ولدى الدول الداعمة لها في تحالف “قوى الثورة المضادة” التي تشمل امريكا وبريطانيا و “اسرائيل”. والسؤال هنا: هل يمكن الاعتماد على هذه الاجراءات لمنع الاضطرابات السياسية التي تؤدي للتغيير؟

 

الواضح ان الاعوام السبعة التي اعقبت قمع ثورات الربيع العربي لم تستطع ايصال الرسالة المهمة للانظمة الريعية التي وفرت الوفرة المالية لديها حماية مهمة بوجه الاحتقانات الشعبية والاحتجاجات ضد سياسات التقشف وفرض الضرائب وخفض  الانفاق على الخدمات العامة. وبدلا من معالجة الاسباب الحقيقية التي دفعت شباب العرب للانخراط في الاحتجاجات التي عصفت بعدد من الدول العربية، عمدت انظمة تلك الدول وكذلك الدول المرشحة لمثل هذه التصدعات، لتطوير اجهزتها الامنية مستعينة بجهات ذات خبرة طويلة في قمع مناوئيها خصوصا الكيان الاسرائيلي. وبدلا من العكوف على قراءة مدلولات الغضب الشعبي واسبابه والسعي لاسترضاء المواطنين بالحوار، افتعلت ازمات خارجية وداخلية لاشغال الرأي العام بها بعيدا عن الانشغال بهموم الاصلاح والتغيير. والأخطر من ذلك ان بعض الانظمة استثمر مليارات الدولارات لمعاقبة الشعوب التي ثارت من اجل التغيير، فبعثت قواتها لقمع شعب البحرين كاجراء اول في مسلسل قمع الشعوب الثائرة من قبل قوى الثورة المضادة، ومزقت ليبيا تمزيقا رهيبا، ودمرت سوريا بالارهاب الذي ليس له حدود، وتم إنهاك مصر بانقلاب عسكري قوض قوة البلد العربي الاكبر وحوله الى بلد تابع لانظمة حكم تستمد قوتها ليس من شعوبها بل من الخارج. واصبحت مصر في قبضة العسكر بدون رحمة، وفتحت سجونها لتضم عشرات الآلاف ولتتحول الى واحد من أشد بلدان العالم قمعا. واخيرا استهدفت اليمن بحرب حصدت ارواح اكثر من عشرين ألفا من ضمنهم نساء واطفال، وادت الى انتشار الامراض والمجاعة. واصبحت اليمن، مهد حضارة سبأ وحاضنة سد مأرب، أسيرا لدى بلدين احدهما عمره لا يصل الخمسين عاما، ولم يتشكل الا بعد الانسحاب البريطاني من الخليج في 1971. وتواطأت قوى الثورة المضادة للامعان في امتهان الشعوب العربية بانماط غير مسبوقة من التنكيل والحصار والتجويع. فهل ادى ذلك الى حل المشكلة الاساس التي كانت وراء تفجر ثورات الربيع العربي؟

 

ان ما حدث الاسبوع الماضي من اضطرابات في البلدان المذكورة مؤشر لعمق الاحتقان الذي تعاني منه شعوب المنطقة، وتأكيد لحتمية قيام ثورات تغييرية جديدة. صحيح ان ثورات الخبز في الثمانينات في مصر وتونس والمغرب لم تؤد لاندلاع ثورات سياسية كبرى، ولكن ما جرى في السنوات السبع الاخيرة من اضطهاد منظم لشعوب المنطقة واستخفاف بمقدراتها وقيمها وحقوقها ووجودها قد عمق الشعور العام بالظلامة والاهانة، وهو شعور عادة ما يتحول الى ثورة عارمة تعصف بما حولها. وبدلا من احتواء الازمة التي كان الربيع العربي مصداقا لها، ساهمت سياسات قوى الثورة المضادة التي استهدفت الشعوب الثائرة بابشع اصناف التنكيل، في التأسيس لمرحلة مستقبلية جديدة، ستنطلق الثورات الشعبية فيها بوهج أشد وإصرار أقوى على التغيير. فلا يمكن قتل طموحات الشعوب بالعنف فحسب، بل بالسعي لتلبية طموحاتها او شيء منها على الاقل. اما سياسات الاستضعاف والاستسخاف والتضليل فلا تؤدي الا الى المزيد من الاحتقان والاستعداد للمواجهة. فمثلا بدلا من ان تسعى حكومة البحرين لتسوية الازمة مع شعبها الذي ثار مع بقية الشعوب في 2011، عمدت لسياسات القمع من جهة والتضليل من جهة اخرى. وفي بيان اصدرته الاسبوع الماضي انتقدت منظمة العفو الدولية السفارة البحرينية في لندن واتهمتها بتزوير الحقائق حول اجتماع عقد بين الطرفين في شهر نوفمبر الماضي. وكانت وكالة انباء البحرين قد ادعت ان المنظمة الدولية قررت عدم اصدار اي بيان حول انتهاكات حقوق الانسان في البحرين حتى شهر فبراير المقبل، الامر الذي فندته المنظمة وقالت انها لم تعد بذلك. وطالبت المنظمة بالسماح للمنظمات الدولية بزيارة البحرين والالتقاء بالمسؤولين والنشطاء الحقوقيية والضحايا، كما طلبت من السلطات البحرينية التجاوب معها عندما تبدي قلقها حول الانتهاكات، وقالت ان السفارة وعدتها بتسهيل ذلك، ولكنها لم تفعل شيئا.

 

وهكذا تبدو الاحتجاجات التي اندلعت في الايام الماضية في عدد من البلدان اعلانا عن حقبة مقبلة من الحراكات الشعبية المطالبة بالاصلاح السياسي الحقيقي وغلق ملفات الاستبداد والديكتاتورية والقمع. فالشعوب العربية تستحق ان تتمتع بقدر من الحرية والشراكة السياسية، وان يكون لها دور في ادارة شؤونها واختيار نمط الحكم الذي يناسبها. هذه الشعوب لديها ثوابت ايديولوجية وعقيدية، منها عشق الحرية وحق تقرير المصير واحترام حقوق الانسان. كما ان لديها عشقا لبعضها البعض، فلا تقبل بالاحتلال او الظلم السياسي او التعامل مع اعداء الامة ضد ابنائها. هذه الشعوب ترفض الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين، وقد وقفت ضد قرار دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لـ “اسرائيل”، وشجبت سياسات التطبيع مع هذا الكيان، وعبرت عن رفضها زيارة الوفد البحريني شبه الرسمي للكيان الاسرائيلي، انها تقف ايضا ضد الهيمنة الامريكية على المنطقة، كما ترفض استبداد الانظمة وتطالب بالحرية، وتقف بقوة ضد اتجاهات التطرف وتنظيمات الارهاب المدعومة بالمال النفطي من الجزيرة العربية، وتصر على حقها في الحياة بكرامة والعيش خارج اطر الاستضعاف والاستعباد التي تفرضها بعض انظمة الحكم. وانه لمنطقي الادعاء بان الحراكات الاخيرة محاولة جديدة لاعادة الامور الى نصابها والتدرب على مناهج العصيان المدني والتشبث بالحقوق الطبيعية المشروع ونبذ الانجرار وراء مشاريع الاستعمار والهيمنة. والأرجح ان تؤدي الانتفاضات الاخيرة الى المزيد من الحراكات الشعبية الهادفة للتحرر من عقد الماضي القريب، واحتضان مشاريع التغيير. فمهما كانت التكلفة فلن تكون اكبر مما تدفعه الشعوب حاليا من دماء ابنائها في ظل انظمة الاستبداد.

٭ كاتب بحريني

 

 

(124)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق