معالم المشروع الصهيوني في الشرق الأوسط

Screen Shot 2017-10-10 at 11.02.13http://www.alquds.co.uk/?p=804807

معالم المشروع الصهيوني في الشرق الأوسط

د. سعيد الشهابي

Oct 09, 2017

 

م يشهد الكيان الاسرائيلي “فترة نقاهة” كالسنوات التي اعقبت قمع ثورات الربيع العربي، فما حدث في هذه الفترة كان عكس ما كانت الجماهير العربية تتطلع له عندما حركتها النيران التي اشتعلت في جسد الشاب التونسي، محمد بوعزيزي في ديسمبر 2010. سبعة اعوام عجاف ستسجل بانها الأسوأ في التاريخ المعاصر لهذه الامة، ولعل الله يحدث بعد ذلك امرا. فليس مستبعدا ان تشهد الفترة المقبلة عودة للروح التي خرجت بها الجماهير العربية هاتفة بالحرية وباحثة عن التغيير. البعض يقول ان تلك الثورات كانت من تدبير اجنبي، ولكن يصعب تقديم الدليل على ذلك. الامر الذي يمكن التدليل عليه ان اساليب قمعها المستمرة حتى الآن وما اعقبها من تغيرات سواء في المزاج العام ام التحالفات الاقليمية تؤكد وجود أيد معادية لهذه الشعوب خططت لما حل بها، وما تزال تفعل. المشروع الاسرائيلي للمنطقة تتضح معالمه يوما بعد آخر، وتشير المعطيات الى تخطيطه الذي يتواصل ليس في الشرق الاوسط فحسب بل في العالم الغربي كذلك. وما لم يتم استيعاب اولا حقيقة وجود ذلك المخطط وثانيا بعض تفصيلاته الفنية وثالثا سعة اهدافه ومجالات تدخله، فسوف يتواصل الانحدار والتداعي. هذا المخطط ساهمت في تفعيله امور عديدة: اولها دعم قوى الثورة المضادة ثانيها، توفر اموال هائلة لتفعيله، ثالثها: تعاون انظمة القمع العربية مع خططه بفاعلية، رابعها توفر غطاء غربي فضفاض مع دعم لوجستي واسع.

هذا ليس كلاما مستوحى من الخيال او امتدادا لنظرية المؤامرة او تعبيرا عن حالة يأس او ضعف، بل ان هناك من الوقائع ما يؤكد ذلك. وما يمارسه بعض الحكام من قمع ممنهج قد لا يكون جديدا، ولكن الجديد ان لا تكون هناك ردة فعل من اي طرف يفترض ان يكون معنيا بذلك: الشعوب المستهدفة بذلك القمع، المجتمع الدولي الذي يفترض ان يمارس شيئا من الرقابة الدولية لمنع قمع الشعوب واضطهادها، او النخب السياسية والمثقفة سواء في المجتمعات العربية ام الغربية. يضاف الى ذلك وجود عوامل اخرى تتضافر مع هذه الحقائق، من بينها ما يجري هذه الايام من محاولات لتصفية القضية الفلسطينية وطرح حلول تفرض على الشعب الفلسطيني بالقهر والاجبار بعد حصاره وتجويعه. فمقولة اقامة الدولة الفلسطينية بموازاة الكيان الاسرائيلي وتظاهر بعض الانظمة العربية بالحماس لذلك المشروع انما هو جانب من سياسات التخدير التي يتضمنها المشروع الصهيوني في المنطقة. فهذا الطرح يقابله اصرار اسرائيلي على رفض قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة، وكذلك تهويد القدس بنمط غير مسبوق، بالاضافة للقتل المتواصل للشباب الفلسطيني.

وسواء كانت هذه الفرضية مقبولة ام موضع اعتراض من قبل البعض، فثمة من يقول ان الاسرائيليين في السنوات السبع الاخيرة دخلوا على الوضع العربي من اوسع ابوابه. وبدلا من حصر اهتمام اجهزة الاستخبارات والامن الاسرائئلية بحدود فلسطين المحتلة توسعت اهتماماتها لتصل الى عمق الاوضاع العربية خصوصا على مستوى التحالفات البينية ام على صعيد التصدي لقوى التحرر الوطني الساعية لضمان حقوق الشعوب وانهاء حالة الاستبداد والقمع المهيمنة على المنطقة منذ عقود. فحين لا يسعى السعوديون لاخفاء اتصالاتهم بالحكومة الاسرائيلية وتبادل الزيارات، وحين يدعو حاكم مثل ملك البحرين لانهاء المقاطعة العربية، وحين يتم تبادل الرسائل والاتصالات بين الامارات والمسؤولين الاسرائيليين حول استخدام انظمة صواريخ “القبة الحديدية” في دول الخليج لمواجهة الصواريخ الايرانية فان الامر يكون قد تجاوز حدود اللباقة او الشعور بالانتماء للامة التي ما برحت ترفض الاحتلال او التطبيع معه.

المشروع الصهيوني لاعادة توجيه البوصلة في العالم العربي بعيدا عن قضايا الحريات والحقوق والتحولات الديمقراطية وانهاء الاستبداد وتحرير الاراضي يتم تطبيقه بمنهجية مؤسسة على دراسات وقراءات للاوضاع العربية، واساليب التأثير على الرأي العام بعيدا عن تلك القضايا. ويمكن تحديد بعض معالم هذا المشروع بالنقاط التالية:

اولا: دعم انظمة الحكم الحالية وحمايتها من الثورات الشعبية والحركات المعارضة. هذا الدعم سياسي يهدف لضمان دعم التحالف الانجلو – امريكي لهذه الانظمة، وامني بتزويدها بالخبرات الامنية المستفادة من تجربة التصدي لانتفاضات الحجارة الفلسطينية، لتمكينها من السيطرة على الحركات المعارضة. ويلاحظ ان وسائل التعاطي مع النشطاء تغيرت كثيرا في السنوات الاخيرة، فاصبحت اكثر شراسة ولكن اكثر سرية وبعدا عن الانظار. فالسجون في بلدان مثل مصر والسعودية والبحرين والامارات توسعت كثيرا، وازدادت اعداد عناصر الامن وتنوعت اساليبها. وفي الوقت نفسه استطاعت مجموعات الضغط والشركات العامة الغربية اقدر على تشجيع سياسات التعتيم الاعلامية والتأثير على الحكومات الغربية لمنع تعاطيها بشكل جاد ومسؤول مع الانتهاكات التي تفاقمت بمعدلات غير مسبوقة. فيصبح نظام مصر العسكري قادرا على التنكيل الوحشي بالمعارضين خصوصا رموز الاخوان المسلمين وكوادرهم بدون ان يذرف “العالم الحر” دمعة واحدة على حقوق الانسان المنتهكة. وتواصل السعودية سياسة الاعدام لتصل الى 100 شخص حتى الآن هذا العام، وتخمد كافة الاصوات ابتداء بعبد الله الحامد ورائف بدوي ووليد ابو الخير، وتصعد حكومة البحرين قمعها للمعارضة باعتقال اشخاص مثل حسن مشيمع وعبد الوهاب حسين والشيخ علي سلمان ونبيل رجب وابتسام الصايغ، ولا يرتفع صوت واحد من الساسة الغربيية للمطالبة الجادة باطلاق سراحهم. وتسجن الامارات معارضيها مثل احمد منصور ومحمد الركن بدون ان تخشى من ردة فعل غربية مؤثرة.

ثانيا: افتعال الازمات البينية داخل البيتين العربي والاسلامي. فيتواصل الحديث عن “الخطر الايراني” لاعادة توجيه الرأي العام بعيدا عن قيم الاسلام والاخوة وعلاقات حسن الجوار. وفي الوقت الذي يواصل فيه الاسرائيليون اختراقهم الاجواء اللبنانية واجتياحهم منطقة غزة واقتحاماتهم اليومية للمسجد الاقصى، يبالغ المشروع الصهيوني في وصف “الخطر الايراني” وكأنه على وشك الحدوث. صحيح ان لدى ايران رغبة في توسيع نفوذها الاقليمي (كما هي كل دولة) ولكنها لم تتورط في حروب مباشرة على الآخرين، وان كانت بعض معاركها تخاض بالوكالة. بعد ذلك استهدفت قوى الثورة المضادة دولة قطر بسبب سياساتها التي تختلف في بعض مفاصلها عن سياسات تلك القوى، خصوصا في علاقاتها الخارجية مع الدول الاقليمية مثل ايران، واتصالاها مع بعض القوى الفاعلة خصوصا الاخوان المسلمون الذين تحاربهم دول التحالف الرباعي و”اسرائيل”. المطلوب ابقاء حالة التشنج في العلاقات بين الدول العربية والاسلامية لمنع حدوث تفاهم او تنسيق او تعاون. فالاسرائيليون يرون في ذلك تهديدا لامنهم. وهناك الآن توجه لاستهداف تركيا ايضا بسبب وقوفها مع قطر وانفتاحها على كل من ايران والعراق.

ثالثا: ان اثارة الخلافات لا ينحصر على ما هو سياسي منها، بل ان التباين المذهبي واحد من الامور التي يهدف المشروع الاسرائيلي لاثارته، وقد اثبت فاعليته في تشتيت كلمة الامة وتناحر بعض فئاتها. ومع ان اثارة الخلافات المذهبية قد استنفذت اغراضها خصوصا بعد ان سعت السعودية لتحسين علاقاتها مع العراق، الا ان آثاره السلبية ستبقى في الاجواء لتحول دون اي تقارب حقيقي ورأب للصدع لمنع تبلور جبهة معارضة حقيقية للاستبداد والاحتلال معا. وبموازاة اثارة الخلافات المذهبية، عمد المشروع الصهيوني لشيطنة المجموعات التي يتضمن منهجها التصدي للاحتلال ورفض التطبيع معه. فقد استهدف الاخوان المسلمون سياسيا وامنيا واقتصاديا ودينيا، واستفاد المشروع من علماء السلطان للتهجم على الجماعة وشيطنتها واستهداف رموزها المعتقلين لدى النظام العسكري المصري باحكام الاعدام والسجن المؤبد. وبلغ الامر ان مرشدها السابق، الاستاذ المرحوم محمد مهدي عاكف، حرم من العلاج المناسب من مرض السرطان بعد ان رفض استعطاف السيسي، وبعد وفاته منع تشييعه الا في نطاق ضيق جدا. وهكذا الامر مع حزب الله وحماس وبقية فصائل المقاومة التي ترفض الاعتراف بـ “اسرائيل” او التطبيع معها.

رابعا: المشروع الصهيوني اصبح يتغلغل في صفوف المؤسسات الاسلامية في الغرب بشكل واضح. فتحت غطاء “محاربة التطرف” و تشجيع “حوار الاديان” و “محاربة معاداة السامية” تمارس ضغوط كبيرة على هذه المؤسسات لتوسيع دائرة الحوار ليشمل في بعض مفاصله، المجموعات الصهيونية. وتشمل الضغوط المؤسسات الاسلامية قاطبة (سنية وشيعية). ومع ان الحوار مع اليهود امر مشروع ومطلوب، الا انه تحول الى محاولة لمنع اي انتقاد للحكومة الاسرائيلية. واصبح في حكم المقبول اعتبار اي نقد للكيان الاسرائيلي “معاداة للسامية”. وكان المشروع الصهيوني قد شجع بعض الفلسطينيين على الانخراط في صفوف المجموعات الارهابية لابعادهم عن الاراضي المحتلة، الامر الذي اضعف وهج الثورة الفلسطينية وربط بعض فصائلها بالارهاب. هذه الحقيقة شجعت بعض المؤسسات الاسلامية الغربية على التراجع عن دعم القضية الفلسطينية والتجاوب مع محاولات التطبيع مع المشروع الصهيوني تحت ذريعة “حوار الاديان”. انها خطة متداخلة ساهمت في توسيع التغلغل الاسرائيلي في اوساط المؤسسات الاسلامية، ومنها الى بعض الحركات السياسية في المنطقة.

خامسا: المشروع الصهيوني مارس ضغوطا على امريكا لالغاء الاتفاق النووي الذي وقعته ايران مع ست دول بينها امريكا وروسيا. فمنذ صعود ترامب الى الرئاسة الامريكية سعى اهل ذلك المشروع لسحب امريكا من ذلك الاتفاق. وما يزال الاتحاد الاوروبي مصرا على الاتفاق الذي كان حصيلة عدة اعوام من التفاوض.

سادسا: المشروع الصهيوني يسعى لتفتيت الدول العربية والاسلامية الكبرى الى دويلات وكيانات صغيرة. وجاء استفتاء كردستان العراق الشهر الماضي كخطوة على طريق تفتيت العراق، ثم سوريا وايران وربما مصر والسعودية نفسها. وقد ركزت “اسرائيل” على المنطقة الكردية العراقية منذ عقود، ودربت مقاتليها ووجهت سياساتها نحو الانفصال. وتتم مساومة العراق بين الانصياع لامريكا والسماح لها ببناء قواعد عملاقة او تفتيت العراق.

ان المشروع الصهيوني يخطط لتمزيق امة المسلمين لاضعافها. ويقابل ذلك موقف باهت من الانظمة والشعوب على حد السواء. ويعتقد الاسرائيليون بضرورة فرض نسخة جديدة من “سايكس بيكو” و “وعد بلفور” لكي تنعم بالامن وتتلاشى قدرات العرب والمسلمين امامهم. هذه بعض معالم المشروع الصهيوني، فما العم

٭ كاتب بحريني

  (49)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق