التاريخ والجغرافيا والدين ضمانات لحفظ الأمة

33732210

د. سعيد الشهابي

May 01, 2017

 

قي خضم الصراعات السياسية والعسكرية والتوترات الامنية في عالمينا العربي والاسلامي، تبدو للكثيرين صورة مخالفة للواقع. هذه الصورة تظهر فيها حالة التناحر والتفكك والصراع التي قد توحي باستحالة اعادة لم الشمل. غير ان الواقع يختلف كثيرا عن ذلك. وهنا يتضح الدور الكبير لوسائل الاعلام التي تبالغ في بث الفتنة والاختلاف، وتخفي ما يوحي بالوحدة الحقيقية بين الشعوب العربية والاسلامية. فالصراعات التي تعج بها بلداننا انما هي سياسية في المقام الاول وليست فكرية او دينية او مذهبية، وان كان ذلك كله يستخدم لتأجيج الصراع. المشكلة ان مثيري الصراع والفتنة، وهم قلة ضئيلة جدا اذا قورنت بحجم الامة الذي يتجاوز عدد افرادها مليارا ونصفا، مدعومون من قبل انظمة وجهات اقليمية ودولية. وثمة اهداف لبث هذه الصورة السلبية المحبطة. اولها: كسر ارادة الامة وتعميق روح اليأس من امكان التغيير الضروري لاصلاح اوضاعها. ثانيا: الحفاظ على الوضع السياسي القائم الذي فتح المجال لهيمنة القوى الاجنبية على بلدان العالم الاسلامي. فبدون وجود القاعدة وداعش ووسائل الاعلام التي تبث الفتنة بين المسلمين (وهي متعددة المذاهب واللغات) لن يكون هناك مبرر للهيمنة العسكرية الامريكية على المنطقة، ولن يسكت احد عليهم حين يستخدمون “ام القنابل” لسحق ارواح البشر او يطلقون عشرات صواريخ “توماهوك” لاستكمال حلقات التدخل التي بدأت في 1991. ثالثها: منع تعمق روح التنمية البشرية والعلمية والتكنولوجية التي تقتضي وجود اوضاع مستقرة ومشاعر تتطلع لبناء مستقبل في اوضاع من الاستقلال والحرية والتحكم في تقرير المصير. رابعها: كسر ارادة الاحتفاظ بما تبقى من كيانات سياسية، برغم صغرها، لتكون بديلا عن “الدولة الاممية” التي طالما حلم العلماء والمصلحون الكبار بها منذ عقود. خامسها: البدء بتفعيل “سايكس بيكو 2″ بعد مرور مائة عام على النسخة الاولى من الاتفاق المشؤوم لتوزيع النفوذ على العالمين العربي والاسلامي. تلك النسخة استطاعت القضاء على بقايا  الدولة العثمانية ورمزيتها الدينية والتاريخية للمسلمين تحويل الامة الى كيانات صغيرة وأدت الى قيام الدولة القطرية التي فقدت القدرة على التطور او حتى الاحتفاظ بالاستقلال، وقد ساهم ذلك في في استعمار بلدان العرب والمسلمين، والهيمنة على الثروة النفطية التي بدأ اكتشافها على نطاق واسع، وتوفير الظروف لاقامة الكيان الاسرائيلي. اما النسخة الثانية فقد بدأت في تفعيل نفسها بدون التوقيع الرسمي على نصوص معلنة لها. وشجع القائمين عليها الصمت العربي والاسلامي على اول تجربة للتقسيم، عندما مزق السودان الى دولتين. ولم يعد حديث التقسيم سريا، بل ان شبحه يخيم على سوريا والعراق وليبيا واليمن، ولن تكون مصر او تركيا او حتى ايران وباكستان بمنآى عنه.

القصة بدأت عشية حلول القرن الحادي والعشرين بعد تفكك الاتحاد السوفياتي والشعور الغربي بالهيمنة المطلقة على شؤون العالم. فقبل ذلك كانت امريكا اسيرة لتجاربها الفاشلة بعد الحرب العالمية الثانية، خصوصا في جنوب شرق أسيا (الحرب الكورية في مطلع الخمسينات، والحرب الفيتنامية التي انتهت في منتصف السبعينات). فترددت كثيرا قبل ان تتدخل بهدف معلن يخفي اهدافا مخفية، سمي وقتها “تحرير الكويت”. ذلك “التحرير” كان بداية التدخل الامريكي بنمطه الحالي في شؤون المنطقة، عسكريا وسياسيا.  فمن لم يقبل بالوجود العراقي في الكويت اصبح مجبرا على القبول بالهيمنة الامريكية على اغلب مناطق العالم الاسلامي. والاخطر من ذلك تبخر روح المقاومة من نفوس الشعوب لتلك الهيمنة. فاين الاحتجاجات التي عمت العالمين العربي والاسلامي ضد التدخل الاجنبي في الكويت مما يحدث الآن من سعي متواصل لاستجداء الغربيين للتدخل وبناء القواعد لهم على نفقات حكومات المنطقة؟ يومها رفض التدخل حتى الانظمة الرسمية ومنها الاردن واليمن والسودان. وها هو دونالد ترامب يبدأ بتنفيذ ما تحدث عنه في حملته الانتخابية عن عزمه اجبار دول كالسعودية على دفع المزيد في مقابل حمايتها. وفي مقابلة مع وكالة انباء رويترز يوم الخميس الماضي كرر ذلك بوضوح قائلا: “بصراحة السعودية لم تعاملنا بعدالة لأننا نخسر كما هائلا من المال للدفاع عن السعودية””.

ويمثل انتقاد ترامب للرياض عودة لتصريحات أدلى بها خلال حملته الانتخابية في 2016 حين اتهم المملكة بأنها لا تتحمل نصيبا عادلا من تكلفة مظلة الحماية الأمنية الأمريكية. وقال ترامب في مؤتمر انتخابي في ويسكونسن قبل عام “لن يعبث أحد مع السعودية لأننا نرعاها… إنها لا تدفع لنا ثمنا عادلا. نخسر الكثير من المال”. هذا التدخل الغربي سوف يزداد في السنوات المقبلة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي وتحالفها مع ادارة ترامب. هذا هو المتوقع، ولكن قد تحدث تطورات اخرى تؤثر على مدى اولوية الشرق الاوسط في سياسة هذا التحالف. ومع تصاعد التوتر في بحر الصين وشرق آسيا، وتصاعد احتمالات المواجهة مع كوريا الشمالية، فكل الاحتمالات مفتوحة.

ويمكن القول ان التدخل الروسي بشكله الحالي في اوضاع المنطقة لم يكن متوقعا بالشكل الذي حدث. هذا التدخل ليس نهائيا بل يخضع لاعتبارات ا خرى خصوصا علاقة ترامب ومواقفه مع روسيا. ومن السابق لاوانه التبنؤ بما اذا كان التدخل الروسي سيؤدي لحرب باردة جديدة. ولكن المؤكد انه لن يؤدي الى تصاعد الصراع مع امريكا، وفي الوقت نفسه سيكرس الواقع السياسي للامة، وسيترك الابواب مفتوحة لاحتقانات اضافية. وستكون سياسات كل من تركيا ومصر من العوامل التي ستحدد طبيعة الاقتسام الامريكي – الروسي على النفوذ. الفرق هذه المرة عما حدث خلال الحرب الباردة ان خطوط التمايز الايديولوجي بين انظمة الحكم العربية ليست واضحة كما كانت عليه سابقا. فالسعودية التي تعترض على الدعم الروسي لسوريا تسعى لتقوية علاقاتها مع الروس وتخصص استثمارات ضخمة في شكل صفقات سلاح وفي مجالات اخرى من التعاون الاقتصادي. والعراق المحسوب ضمن التحالف الروسي – الايراني – السوري هو الآخر يخضع لنفوذ امريكي يتصاعد. كما ان تركيا ومصر اللتين تشهد علاقاتهما توترا بسبب الموقف من جماعة الاخوان المسلمين، فتسعيان لتطوير علاقاتهما مع روسيا مع الاحتفاظ بصداقة امريكا. اما اليمن، فهي الاخرى لم تتحول الى قضية استقطاب حاد بين الفرقاء. فروسيا ليست طرفا في الحرب، ولا تدعم الجناح المدعوم من قبل ايران. كما ان امريكا وبريطانيا تتدخلان بدوافع مصلحية وليست مبدئية. فهما تتعرضان لضغوط من منظمات حقوقية واغاثية لوقف ارسال الاسلحة الى اطراف النزاع، بينما تنظر امريكا الى استمرار الازمة انه خطر على امنها القومي بسبب انتشار تنظيم القاعدة وتغوله في المناطق الواقعة تحت نفوذ التحالف الذي تقوده السعودية. كما ان الامارات لها سياسة واهداف خاصة بها وتسعى لتوسيع نفوذها في منطقة باب المندب، والهيمنة على ميناء عدن لمنع تأثيره على ميناء جبل علي في دبي.

هذه الحسابات السياسية بين الحكومات من بين اسباب التوتر الذي يسود المنطقة لانها هي التي تحدد مواقف هذه الدول وسياساتها الاقليمية. انها حسابات انطلقت في إثر ظاهرة “الربيع العربي” التي لا يمكن تجاوزها تماما او منع تكررها. ومن يراقب الاوضاع بقدر من الحياد يكتشف ان قمع تلك الظاهرة قبل ستة اعوام انما ساهم في تأجيلها ولم يلغها. فالصراع من اجل التغيير لا يمكن ان ينتهي الا بحصول ذلك التغيير. اما الرهان على تخدير الشعوب العربية او إلهائها بقضايا مفتلعة كالتطرف الفكري والديني او الارهاب او الطائفية، فهي ظواهر ظرفية لا يمكن ان تشكل مسارات للمجتمعات التي تعاني من غياب الحرية والعدالة. وبرغم المبالغة في اذكاء التوتر المذهبي، فان لدى هذه الامة مجسات تساعدها على العودة الى طريق الصواب اذا ما ابتعدت عنه. فليس من اولويات الامة السعي لاجتثاث الطرف الآخر المختلف فكريا او دينيا او مذهبيا مع الاغلبية السكانية. والزيارة الاخيرة التي قام بها البابا لمصر تؤكد الشعور العام بضرورة التقارب بين الاديان والمذاهب والاحترام المتبادل في ما بينها، والتخلي عن عقلية الاقصاء والاستئصال، ورفض ايديولوجيات التكفير والتطهير العرقي والعنصري. وبموازاة ذلك مطلوب من علماء الدين المسلمين تأكيد العلاقات الانسانية والاسلامية بين سكان العالمين العربي والاسلامي، وابعاد الاختلافات الفقهية عن دوائر الخلاف السياسي.

ثمة حقيقة يجب تأكيدها ان الشعوب العربية والاسلامية التي يزج بها في الصراعات السياسية بعناوين دينية او مذهبية، رفضت ذلك تماما، ولم تشارك في ما تعتبره محاولات لاذكاء الفتنة. ولذلك انحصرت الازمة باعمال الارهاب التي يرفضها العقلاء لانها لا تحقق الا التوتر والتباغض والأسى. وبعيدا عما تروجه وسائل الاعلام، خصوصا المعادية لامة العرب والمسلمين، فان الشعوب أبعد ما تكون عن هذه الصراعات. فهي تلتقي في مضمار الدين الواسع، تصلي وتصوم وتحج بيت الله في مواقيت محددة، وتتبادل مشاعر الاخوة والحب، غير مكترثة بما يفعله الاعداء او يخططون لتحقيقه. واذا حدثت مشادات او مصادمات، فهي محدودة، ومفتعلة وظرفية ومؤقتة. وفي اغلب الاحيان تقف وراءها جهات ترى في وحدة الامة وشعوبها خطرا على مصالحها. وليس من قبيل الصدفة ان يعقب الربيع العربي ما يحدث الآن، لان حركة الامة حين تجتمع من اجل الخير والاصلاح والاستقلال لا يستطيع احد منعها او وقفها، فهي تعبير عن مشاعر عفوية مفعمة بالرغبة في الحرية والعدل والحب والتطور. هذا ما عكسته ثورات الربيع العربي عندما انطلقت، قبل ان تتصدى قوى الثورة المضادة لها وتحول مسارات شبابها نحو التطرف والعنف والارهاب. الامر المؤكد ان حركة التاريخ لا تتوقف وان البحث عن الحرية والاستقلال والعدل جهد مستمر ولن يتوقف يوما، الامر الذي يبعث على الامل واليقين بحتمية التغيير. بعد اسابيع قليلة سوف يحل شهر رمضان المبارك وتظهر تجليات وحدة الشعوب المسلمة، وبعدها سيحين موسم الحج وسيكون جوهره وشكله وحدويا، يضاف الى ذلك مآذن المسلمين التي تؤكد وحدتهم، وكنائس المسيحيين في اغلب البلدان الاسلامية التي تكشف، هي الاخرى، حالة التعايش والتحمل والاحترام المتبادل بين عموم المسلمين والمسيحيين. هذه الحقائق لا يركز الاعلام عليها، ولكنها تمثل ضمان الوئام والتآخي بين البشر على تعدد اديانهم ومذاهبهم، وهذا هو المهم في رسم المسار التاريخي للمنطقة.

٭ كاتب بحريني


(149)

مقالات ذات صلة