مشروع التقسيم خطير… فهل على رؤوسنا الطير؟

30680د. سعيد الشهابي

May 08, 2017

اذا كان تقاسم النفوذ على العالم الاسلامي قبل مائة عام قد تم برغم ارادة الامة في حقبة مظلمة من تاريخها، فان مشروع تقسيم المقسم هذه المرة يتم الاعداد له وينفذ امام مرأى المسلمين ومسمعهم، وفي حضور حكوماتهم على الصعيد الدولي، وبرغم امتلاكهم اموالا نفطية هائلة. بل ان مشروع التقسيم هذه المرة يتم بمشاركة بعض حكام دول المسلمين.
واذا كانت اتفاقية سايكس ـ بيكو التي تمر ذكرها المئوية الاولى هذا العام قد ادخلت العرب والمسلمين العهد الاستعماري الاسود، وأدت إلى احتلال فلسطين ومزقت العالمين العربي والاسلامي إلى كيانات صغيرة وفرضت حدودا مصطنعة بقيت مصدرا للتوتر والتناحر، فان النسخة الجديدة من تلك المعاهدة تأتي بعد ان تم تجهيل الشعوب وإلهاؤها وإبعادها عن قضاياها المحورية واعادة صياغة الفكر العربي والاسلامي وفق خطوط الاقصاء والتمييز والتكفير والتمذهب. قبل مائة عام جاء مشروع تقاسم النفوذ في اوج قوة المشروع الامبريالي الاستعماري، وتداعي المشروع الاسلامي الذي كان يتمثل بالدولة العثمانية.
اما المشروع الحالي فيأتي في ظروف مختلفة تماما، كانت، وما تزال، واعدة بنهضة عربية اسلامية لو لم تتضافر الجهود الاقليمية والدولية لمنع تحققها. سايكس بيكو فرضت في حقبة كانت حالة الاستقطاب الايديولوجي والفكري تتمحور حول الانتماء لاحد التوجهين: الاشتراكي والرأسمالي. فالثورة البلشفية كانت على الابواب فيما كانت الحرب العالمية الاولى تحصد ارواح الملايين من الغربيين. اما حالة الانهيار الحالية فتحدث في ظل تشرذم غربي وانكفاء على الذات لدى الدول ذات التأثير. لكنها تهرب من هذه الحالة إلى الامام باستهداف العالم العربي بالتمزيق في ظل هيمنة الاستبداد والديكتاتورية وتغييب ارادة الشعوب، وتغول المشروع الصهيوني وتراجع الوضع الفلسطيني لاسباب داخلية واقليمية.
هناك ظواهر ثلاث حدثت في العقدين الاخيرين من القرن الماضي والعقدين الاولين من القرن الحالي، وجميعها تعرض لاستهداف خارجي منعه من التبلور على ارض الواقع. الاول ولادة المشروع الاسلامي في بعده السياسي الذي ساهم فيه حدثان كبيران. الاول نكسة حزيران في 1967 التي وفرت ظروفا لعلماء الامة ومثقفيها لاعادة النظر في اسباب تلك النكسة. وكانت نتيجة تلك المراجعة بروز الظاهرة الدينية في اطار ما سمي «الصحوة الاسلامية» التي انطلقت منذ بداية السبعينيات. الحدث الثاني الذي لا يقل اهمية تمثل بالثورة الاسلامية في ايران في 1979، وبروز ما اطلق الغربيون عليه «الاسلام السياسي». وشهدت المنطقة العربية مخاضات عديدة خلال نصف القرن الماضي بحثا عن الهوية ورغبة في الوصول إلى مشروع سياسي يعيد للامة هويتها ووحدتها كشرطين اساسيين للنهوض باعباء تحريرها من الهيمنة الغربية والاحتلال الاسرائيلي لفلسطين.
تزامن ذلك مع تراجع النفوذ السوفياتي خصوصا بعد غزو افغانستان، وانتهاء الحرب الباردة وبروز ظاهرة العالم المحكوم بقطب واحد هو الولايات المتحدة الأمريكية.اما الظاهرة الثانية فتمثلت بالوفرة المالية نتيجة صعود اسعار النفط. بدأ ذلك في منتصف السبعينيات بعد حرب اكتوبر بين العرب والكيان الاسرائيلي، وبقي في حالة تصاعد مستمرة (مع حالات انخفاض اعتراضية)، حتى اقيمت امبراطوريات مالية عملاقة في الدول النفطية. هذا المال النفطي كان بامكانه اعادة هيكلة المجتمعات العربية باشراكها في ادارة ثرواتها الوطنية والاستمتاع بنعمة النفط لتحقيق المزيد من التنمية والاستقرار والتلاحم. الظاهرة الثالثة تمثلت بثورات الربيع العربي، وكان ذلك استمرارا لظاهرة الصحوة الاسلامية التي ساهمت في تعميق الشعور بضرورة الحرية والاستقلال وانهاء التبعية واستعادة الهوية وعقد العزم على التحرر من التبعة الثقيلة للعهد الاستعماري. فحين انطلقت تلك الثورات في 2011، كان ذلك بلورة لشعور الشعوب العربية بضرورة النهوض لاسترداد الحرية الكفيلة بتفعيل ارادة الشعوب وانهاء الديكتاتورية والهيمنة الاجنبية. ولا شك ان عقودا من التراجع امام العدوان الصهيوني قد دفع الكثيرين للتفكير بضرورة استعادة الهوية وتحرير الارض وان ذلك شرط لليقظة والصحوة من السبات العميق. ثورات الربيع العربي كانت تعبيرا عن الشعور المختزن لدى الأمة بعشق الحرية وكسر القيود التي كبلتها خلال الحقب الاستعمارية المتعاقبة. تلك الثورات بدأت بهدف تحرير الشعوب من الديكتاتورية والاستبداد ولكنها سرعان ما تحولت إلى طواحين أتت على الاخضر واليابس بدون رحمة. الانقلاب على الثورات تم بهندسة سياسية وامنية واقتصادية ادت مفاعيلها إلى كسر ارادة الشعوب واعادتها إلى مستنقعات الخلاف والاختلاف والتناحر والاقتتال الداخلي. ولا يمكن لجسد منخور ان ينهض باعباء الحياة او يواجه التحديات الكبرى. ومن اساليب ذلك الانقلاب حرف مسار الشعوب عن طريق التغيير وتوجيهه نحو مستنقع الاختلافات الفكرية والدينية والمذهبية، فنشبت حرائق لا يمكن اخمادها بسهولة. لقد ضحت انظمة الاستبداد وقوى الثورة المضادة بوحدة الامة وتلاحم الشعوب لهدف واحد: منع التغيير والتحول الديمقراطي في المنطقة.هذه الظواهر مجتمعة ادت إلى الوضع الحالي الذي تجاوز الخطر فيه وجود الانظمة السياسية الرافضة للتغيير. فاصبحت دول العالمين العربي والاسلامي مهددة بالتقسيم بشكل مفزع.
كانت البداية مع السودان الذي فقد ثلث اراضيه بانفصال الجنوب قبل بضعة اعوام. ولم ترتفع صيحات الاحتجاج او التأوه على تقسيم البلد العربي الاكبر من حيث المساحة. ان غياب ردة الفعل الشعبية ضد ظاهرة التقسيم عامل مشجع للتحالف الانكلو ـ أمريكي المتحالف مع «اسرائيل» والذي يرى في وحدة امة العرب تهديدا ذا ابعاد عديدة: اولها للاحتلال الاسرائيلي الذي يزداد تعنتا وتوسعا وإضرارا بالهوية التاريخية لفلسطين، ثانيها للنفوذ الانكلو ـ أمريكي الذي يرى في وحدة الامة عقبة امام توسع نفوذه السياسي والعسكري، بالاضافة لانتزاع الاموال النفطية وتوجيهها للعواصم الغربية بعنوان الاستثمار. ثالثها: ان هذه الوحدة ستكون قادرة على لملمة شمل الشعوب العربية واعادة توجيه بوصلتها نحو القضايا المصيرية ومشاريع التنمية والبناء والنهوض بالمجتمعات وتأهيل الشعوب للقيام بادوار بناءة في تنمية بلدانها واتخاذ قراراتها بحرية، بعيدا عن املاءات الاطراف الطامعة في عالمنا العربي وهويته وثقافته ووزنه السياسي والاقتصادي.
في غياب الثقافة الجامعة لاطراف الامة، ينزع الكثيرون للاستسلام لدعوات التقسيم، خصوصا اذا تصدرت حكومات عربية واسلامية لتنفيذ ذلك التقسيم عمليا، باعادة رسم الولاءات بما يناسب سياسة الحكام، بعيدا عن رغبات الشعوب ومصالحها. فبعد تقسيم السودان، جاء دور سوريا والعراق واليمن. فالاكراد لا يكفون عن اثارة مشروع الدولة الكردية المزمع اقامتها في مناطق تواجد الاكراد في العراق وسوريا وايران وتركيا. واذا سمح بقيام تلك الدولة فسيكون ذلك بداية ليس لتمزق تلك البلدان فحسب بل لغرس بذور التوتر في المنطقة لعقود عديدة قادمة. وفي غياب انظمة الحكم القادرة على استيعاب المكونات العرقية والمذهبية في الكيان السياسي الواحد، تتوسع نزعات الانفصال، خصوصا مع وجود جهات داعمة لذلك التوجه. ومن المؤكد ان الدولة الكردية المزمعة ستكون متحالفة مع «اسرائيل» ومتحسسة جدا تجاه العرب.
اما سوريا فهي الاخرى مهددة بالتقسيم بشكل جاد. ولن تكون «داعش» وريثا شرعيا لاي من الاقاليم المزمع اقامتها، بل ستكون للدول الاقليمية اطماع في الكيانات الجديدة. فكما ان «المناطق الآمنة» التي اقيمت في العراق في التسعينيات كانت من اسباب التوجه نحو اقليم كردي منفصل، فان طرح مشروع مماثل لسوريا خطوة اخرى على طريق تقسيم ذلك البلد الموغل في الحضارة والتاريخ. ومع استمرار الاحتقان السياسي والمذهبي في الشام، فسيكون امرا مقبولا اقامة كيانات للفرقاء المتحاربين، تؤسس على اسس المذهب والعرق. وستختفي سوريا من خارطة العالم العربي إلى الابد. ولن يكون اليمن بمنأى عن تلك الخطط. وقد بدا فعلا تنفيذ خطط تقسيم ذلك البلد العربي المسلم العريق، فالامارات تسيطر على ميناء عدن وتبني جيشا قوامه 30 الفا لمواجهة نفوذ اللاعبين الآخرين، وحضرموت اقليم يضم تنظيم القاعدة، بينما تبحث القوى الاخرى المشاركة في الحرب عن مناطق نفوذ اخرى في اليمن. وهكذا سيتحول هذا الاقليم العربي المسلم الكبير إلى دويلات صغيرة على غرار العراق وسوريا. ولن تكون مصر وتركيا وايران بمنأى عن تلك المحاولات. أهذا ما كان يحلم به دعاة المشروع الاسلامي؟ أهذا ما كانت ثورات الربيع العربي تتطلع اليه؟ ام ان هذا هو مشروع سايكس بيكو الثانية للعام 2017 بعد مائة عام على الاولى؟ ألم يحن الوقت للاستيقاظ وانقاذ ما يمكن انقاذه من بقايا الامة الممزقة؟ ان التاريخ لا يرحم وسيلعن من يساهم في الفتن والمؤامرات ويبث روح الخنوع والاستسلام، ويسكت على تقسيم المقسم وتمزيق الممزق.

٭ كاتب بحريني

  (131)

مقالات ذات صلة