العراق«المنتصر» يواجه شبح التقسيم مجددا

العراق-4-768x506د. سعيد الشهابي

Jul 24, 2017

 

من حق العراقيين ان يحرروا اراضيهم من الارهاب، كما هو حق الفلسطينيين تحرير ارضهم من الاحتلال، وحق الشعوب العربية في التخلص من الاستبداد، وحق الامة في استرجاع كرامتها ووحدتها وانهاء الهيمنة الاجنبية على بلدانها. ولقد كان امرا طبيعيا ان يحتفي العراقيون باسترجاع مدنهم من المنظمات الارهابية التي تبنت العنف المفرط اسلوبا لعملها. وقد انهالت التهاني على حكومة ذلك البلد بعد عمليات تحرير الموصل. وتستعيد الذاكرة ما حدث في مثل هذه الايام تقريبا قبل 27 عاما، عندما اجتاحت القوات العراقية الكويت واسقطت حكومتها، فكان ذلك سببا للتدخل الاجنبية الذي مهدت له دول مجلس التعاون الخليجي بقيادة السعودية. حكومة الكويت هي الاخرى استلمت برقيات التهاني بعد اخراج القوات العراقية من بلدها، بعد حرب كانت الاشد في التاريخ الحديث للمنطقة. كل ذلك يبدو منطقيا ومقبولا. ولكن التبعات المتوقعة لتلك التطورات، سواء في الكويت ام العراق، كانت غائبة عن الرأي العام، وان استشرفها بعض الساسة على نطاق ضيق. فالخليج بعد حرب الكويت لم يعد كما كان قبلها. امريكا اصبحت اليوم صاحبة القرار برغم ما تبديه الرياض من صدارة قيادية وقرارات تبدو مستقلة عن امريكا. وبرغم التقليل من حقيقة كلمة اطلقها الرئيس المصري الاسبق، انور السادات قبل قرابة الاربعين عاما، الا انها اصبحت اليوم اكثر صدقية. يومها قال السادات ان امريكا تمتلك 99 بالمائة من اوراق اللعبة. وكان بامكان امة العرب والمسلمين تغيير ذلك لو توفر لها حكام ذوو سيادة وقرار مستقلين. ولكن ذلك لم يحدث. ومنذ ثلاثين عاما بدأ الحضور العسكري الامريكي في المنطقة يتوسع بشكل تصاعدي. فقد رأت امريكا في ما كانت تسميه “الاسلام السياسي” تهديدا حقيقيا لهيمنتها من جهة والوجود الاسرائيلي من جهة اخرى. فكانت جادة في التصدي لتلك الظاهرة التي كانت ايران تمثلها آنذاك، وكانت الحركات الاسلامية الاخرى تمثل امتداداتها الشعبية في اغلب البلدان العربية. بدأ التواجد العسكري الامريكي بشكل عملي خلال الحرب العراقية – الايرانية خصوصا عندما قامت المدمرات الامريكية بمصاحبة السفن الكويتية الى خارج الخليج لحمايتها من الصواريخ الايرانية. ثم جاءت حرب الكويت لتؤكد ذلك الحضور وتدخل المنطقة حقبة جديدة تكثف فيها الحضور الامريكي.

ومن المؤكد ان الكويت اليوم ليست هي كويت الامس. فقد اصبحت مدينة للتحالف الانجلو – امريكي بسبب دوره في ضرب القوات العراقية واخراجها من الكويت. ذلك الدور كان مقدمة لتدخل اوسع ادى لاسقاط النظام العراقي في العام 2003، وجعل امريكا صاحبة القرار الاستراتيجي في المنطقة. هذا القرار لا ينحصر بالبعد الامني او العسكري، بل يشمل السياسات العامة للحكومات خصوصا الموقف ازاء الكيان الاسرائيلي لجهة الاعتراف به اوالتطبيع معه. هذا الكيان لم يعد يشعر بالعزلة، بل اصبح لاعبا اساسيا في الوضع العربي. ولا يمكن فصل القرار الكويتي الاسبوع الماضي بطرد اغلب الدبلوماسيين الايرانيين من الكويت بمن فيهم السفير خلال 45 يوما، وغلق القنصلية الايرانية، عن سياسة الاملاءات الامريكية. فالكويت تتمتع بعلاقات مستقرة مع كل من ايران والعراق، وتسعى لاستخدام تلك العلاقة للحفاظ على التوازن مع علاقاتها بالسعودية. اما ما يقال عن خلية “العبدلي” فقد استغلت للاساءة للعلاقات بين الكويت وايران. وكانت المحكمة قد برأت اغلب المتهمين بالضلوع فيها، ولكن في الاسابيع الاخيرة عادت المحكمة لتصدر، بشكل مفاجيء احكاما مشددة بحقهم، الامر الذي تم تفسيره انه استجابة كويتية للضغوط التي تمارسها قوى الثورة المضادة التي تتصدرها السعودية و “اسرائيل“.

في الاسبوع الماضي نشرت صحيفة “التايمز” تقريرا حول الدور الاسرائيلي في الازمة السورية. وقال ان الجيش الاسرائيلي قام بتوسعة دوره “الانساني” بهدف “الحد من النفوذ الايراني” في سوريا. وتطرق التقرير الى ان الاسرائيليين قدموا في العام الماضي 360 طنا من الطعام و قرابة نصف مليون لتر من الوقود بالاضافة لحليب الاطفال وملابسهم. وقالت ان اكثر من 4000 سوري تلقوا العلاج في الكيان الاسرائيلي من بينهم 900 طفل. هذا الدور الاسرائيلي يخفي وراءه اطماعا وسياسات تهدف لكسر الحواجز الطبيعية بين الشعوب العربية وقوات الاحتلال. هذا في الوقت الذي يوسع الاحتلال فيه سيطرته على الاراضي الفلسطينية سواء ببناء المزيد من المستوطنات في الضفة الغربية، ام بالسيطرة على المسجد الاقصى بنصب بوابات الكترونية لفحص المصلين وفرض سيطرة اسرائيلية على المسجد، الامر الذي رفضه المقدسيون جملة وتفصيلا.

النفوذ الامريكي تتغير اهدافه ودوائر نفوذه مع تغير ادارات البيت الابيض، ولكن تبقى حماية “اسرائيل” على رأس اولوياته، وكذلك اجبار الانظمة العربية على التطبيع معها. واشنطن تعلم ان وحدة المنطقة من اهم معوقات تلك السياسة، ولذلك تسعى بشكل متواصل لمنع تحقق تلك الوحدة باساليب شتى من بينها الحضور العسكري والسياسي الامريكي المكثف، وترويج المشروع الطائفي لتفتيت شعوبها، وثالثة بافتعال ازمات بين دولها، ورابعة بتعميق القمع السلطوي ومحاصرة نشطاء التغيير وحقوق الانسان، وخامسة بالسعي لتفتيت الدول العربية الكبرى الى كيانات صغيرة، لتنشغل بالفتن الداخلية وتضعف ارادتها. هذه الاساليب تختفي تارة وتظهر اخرى، فهي جاهزة للاستخدام عندما تبرز الحاجة لها. يضاف الى ذلك ان من سياسات قوى الثورة المضادة حرمان الامة من الشعور بالانجاز والنصر. فما ان يتحقق انتصار شعبي عبر حراك سياسي او ثورة شعبية او صناديق اقتراح (برغم قلتها) حتى يتم تحريك المياه الراكدة واثارة القضايا النائمة لحرمان الشعوب من ا لشعور بالانجاز. امريكا تعرف ان  الشعوب وحدها هي القادرة على حماية فلسطين، ولديها من الايمان بالقضية والامكانات البشرية ما يؤهلها لتحقيق النصر بدون الاعتماد على الاجانب. ولذلك تسعى لمنع تحقق ذلك النصر. تعرف ان الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان في العام 2000 انما تم بارادة شعبية، وكذلك الصمود امام العدوان الاسرائيلي على لبنان في 2006 وهزيمة قوات الاحتلال الاسرائيلية. وكذلك هزيمة الاسرائيليين امام صمود حماس في غزة عدة مرات، كل ذلك دفع الامريكيين لانتهاج سياسة تعكير الاجواء ومنع حالة البهجة والشعور بالقوة الذاتية والقدرة على الصمود والتصدي للعدوان والاحتلال والاستبداد.

العراقيون ابتهجوا بما تحقق لهم في الموصل، فخرجوا الى الشوارع واقاموا الاحتفالات. لكن الامريكيين لهم سياسات مختلفة. فالعراق بالنسبة لهم يمثل صيدا ثمينا، وعندما تدخلوا لاسقاط نظام صدام حسين كانوا يتطلعون لتوسيع نفوذهم في هذا البلد الكبير، مستغلين الفراغ السياسي والامني الذي حدث بعد حرب 2003. ويشعر العراقيون ان دخول داعش قبل ثلاثة اعوام لم يكن عفويا، بل كان انتقاما من العراق الذي أصر على استقلال اراضيه والاحتفاظ بسيادته. وعندما قرر العراقيون التخلص من تلك المجموعات تدخلت امريكا كـ “شريك” لمكافحة الارهاب، وسعت لفرض سياساتها ومواقفها. وعندما تم تشكيل الحشد الشعبي قبل ثلاثة اعوام انزعجت امريكا كثيرا لانها لا تريد قوات غير نظامية توفر توازنا امنيا وعسكريا مع الجيش. ويشعر قادة الحشد بالضغوط الامريكية المتواصلة عليهم، ويعلمون ان الامريكيين يسعون لتهميش القوى الشعبية وحصر المبادرة بايديهم. قال الامريكيون ان مواجهة الارهاب في العراق يحتاج الى ثلاثين عاما، بينما استطاع العراقيون تحرير المدينة في غضون عامين. وطوال عام كامل من الحملة العسكرية لاستعادة الموصل من داعش، سعى الامريكيون لمنع الحشد من تصدر العمليات، لعلمهم ان ذلك يوفر له فرصة للتحول الى قوة وطنية تمنع تداعي الاوضاع فيها، وتمنع الانقلابات العسكرية، وتتصدى للاطماع الخارجية، وتتحول تدريجيا الى قوة وطنية بديلة للمجموعات المقاتلة التابعة لعدد من التنظيمات. امريكا رفضت الحشد كفكرة او مشروع، فحاولت منذ شهور اعاقة عمل مجموعاته ومنعت تصدرهم عمليات الموصل. وهناك ضغوط كبيرة على رئيس الوزراء، الدكتور حيدر العبادي، لتحجيم دور الحشد في الحياة العامة خصوصا ان هذا الحشد يعارض الوجود العسكري الامريكي في العراق. بينما تسعى واشنطن لتوسيع ذلك الوجود، وهناك اكثر من 5000 جندي امريكي عادوا الى العراق بعد الانسحاب الذي اضطروا له في العام 2011. امريكا تسعى لضمان نفوذها العسكري والامني والسياسي في هذا البلد الكبير باية وسيلة.

وربما الجانب الاكثر تعقيدا وخطرا السعي الحثيث لتقسيم العراق، وبرغم ان مخاطر التقسيم تضاءلت الا انه ورقة ما تزال امريكا تهدد العراق بها. ويتوقع قيام الاكراد في 25 سبتمبر المقبل باستفتاء حول استقلال اقليمهم عن العراق، الامر الذي سيؤدي الى مزيد من التوتر الداخلي. فحتى لو انتهى الخطر الداعشي فان شبح التقسيم يحول دون استقرار البلاد. والنزعة نحو استقلال كردستان تثير مخاوف الدول الاخرى ذات الاقلية الكردية مثل تركيا وسوريا وايران. فبعد الازمة التي نجمت عن الخطر الداعشي تراجعت احتمالات انفصال الاقليم السني، ولكن الطموح الكردي في الاستقلال يشوش الاجواء ويوفر للامريكيين سيفا مصلتا على رؤوس العراقيين. مطلوب من الساسة العراقيين جمع امرهم مجددا ضمن الاطار الوطني واقامة منظومة سياسية ضمن المبدأ الدولي على اساس “لكل مواطن صوت” ومحاربة الفساد والغاء نظام المحاصصة وتقوية مؤسسات الدولة المركزية وفتح قنوات الحوار بين كافة مكونات الدولة. لقد اصبح العراق بالونة اختبار لمدى قدرة الغرب على تفكيك الدول العربية والاسلامية الكبرى من الجزائر الى مصر وسوريا وتركيا والعراق وايران وباكستان. فان تكررت تجربة التقسيم التي حدثت في السودان فلن تكون اية دولة بمأمن من ذلك الخطر. انه التحدي الاكبر ولكن بالامكان تجاوزه كما حدث مع التحدي الطائفي. ولكي تحصن الامة من داخلها، مطلوب التخلي عن عقلية التوسع او التدخل او التحدي او الاعتداء. والتجارب الحديثة مع سوريا والعراق واليمن وقطر تستدعي اعادة صياغة العقل العربي لتحصينه ضد الاطماع غير المشروعة والنزعات العدونية غير المحكومة بدين او ثقافة او اخلاق.٭ كاتب بحريني

  (115)

مقالات ذات صلة