اخر الاخبار

التجهيل والتضليل والقمع من أهم وسائل الثورة المضادة

http://www.alquds.co.uk/?p=747608_52016623_hit-lo

التجهيل والتضليل والقمع من أهم وسائل الثورة المضادة

د. سعيد الشهابي

Jul 03, 2017

في مثل هذه الايام قبل ربع قرن كانت هناك كوة ضيقة يتسرب منها النور الى العالم العربي، خصوصا منطقة الخليج. يومها كان الغرب، ممثلا بأمريكا، يتمتع بقوة نفسية  ومعنوية كبرى بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وخوض اكبر حرب معاصرة ضد القوات العراقية في الكويت. ولم تكن ظاهرة الارهاب بحجمها الحالي. فكان الغرب يتباهى بامرين: ديمقراطيته وحماسه لمنظومة حقوق الانسان. ونتيجة لذلك حدث شيء من الانفتاح في العالم العربي. ففي السعودية وضع في 1992 ما سمي “نظام الحكم” في المملكة الذي صدر عن الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود بالأمر الملكي رقم أ/90 وتاريخ 27/8/1412 هـ بخصوص طريقة الحكم وتم تشكيل لجنة برئاسة الأمير نايف لوضع النظام الأساسي للحكم. ونجم عن ذلك لاحقا مجلس الشورى الذي ما يزال قائما وان لم يكن له دور يذكر. وخففت حكومة البحرين قبضتها الامنية فافرجت عن بعض المعتقلين وسمحت لبعض المنفيين بالعودة وأنشأت مجلس الشورى كذلك. كان الأمل يراود الكثيرين بان اوضاع الحريات في العالم العربي سوف تتحسن، وان من غير المعقول ان تتراجع الاوضاع الى المستوى الذي كانت عليه في الثمانينات حيث القمع الواسع على كافة الصعدان. حينها كان الرأي العام العربي بشكل عام يقظا ازاء السياسات الامريكية والاحتلال الاسرائيلي. وكانت امريكا تسعى لتلميع صورتها بعد موجة الاحتجاجات التي شهدها العالم العربي قبيل حرب الكويت في 1991، فمارست شيئا من الضغوط على الانظمة لتخفيف القبضة الامنية. بعد ربع قرن يبدو الوضع مختلفا تماما عما كان متوقعا. وبدلا من ان تؤدي ثورات الربيع العربي لانفراج عام اصبحت قوى الثورة المضادة أشرس مما كانت عليه، وأصبح التغول الامريكي والاسرائيلي غير مسبوق، بينما ازدادت رقعة الاستبداد في اغلب البلدان العربية خصوصا منطقة الخليج.

اليوم اصبحت سجون نصف دول مجلس التعاون الخليجي مكتظة بالسجون، واصبح انفاقها على شركات الرأي العام والعلاقات العامة اضعافا، وتطورت اساليب القمع وتضليل الرأي العام حتى اصبحت مقولة “الاخ الاكبر” التي تنبأ بها جورج اورويل في روايته الخيالية “1984″ واقعا ملموسا في هذه البلدان. وبذلك حققت قوى الثورة المضادة التي قضت على الثورات العربية اكثر مما كانت تحلم به. ويوما بعد آخر تتراجع “المكتسبات” التي حققتها الشعوب العربية بنضالها الكبير وتضحياتها الواسعة. ويمكن تقديم مشروع قناة “الجزيرة” دليلا لما انتجته “كوة النور” المذكورة. ففي المرة الاولى في التاريخ العربي المعاصر، وجدت عناصر المعارضة العربية شاشة تلفزيونية تستضيفها وتوفر للجماهير فرصة الاستماع لوجهات نظرها. ومع المؤاخذات الكبيرة على ذلك المشروع، ومقولات علاقاته مع “اسرائيل” او “بي بي سي” او الدعم الامريكي، فقد كان طفرة نوعية في الاعلام العربي. وحظي ذلك المشروع بقبول الرأي العام العربي واعتبر انجازا لظاهرة الاعلام الغربي الليبرالي. فما الذي تغير حتى اصبح النظام الرسمي العربي لا يحصر موقفه بشجب ذلك المشروع فحسب، بل يطالب بوقفها. ولم يكتف الغربيون، خصوصا الامريكيين، بموقف التفرج ازاء تلك المطالبة فحسب، بل بالمشاركة في طلب وقفها. وتمثل “الجزيرة” برغم هفواتها، المثال الاوضح على ما تمخض عن حقبة النشوة الغربية المذكورة،  شأنها شأن مقولتي الديمقراطية وحقوق الانسان اللتين تحمس الغربيون لهما كثيرا وكل ما ارتبط بمقولة “النظام العالمي الجديد” التي طرحها الرئيس الامريكي الاسبق، جورج بوش الاب، وهو في نشوة الانتصار. غير ان التداعي السياسي والاقتصادي والامني خلال الحقبة اللاحقة اوصلت الغربيين الى ما هم عليه اليوم من تراجع في القيم المرتبطة بالديمقراطية وحقوق الانسان. وخلال عهدي بيل كلينتون . اما جورج بوش الابن فقد أعاد حالة الاحتقان السياسي على المستوى الدولي وجسد أكبر تراجع عن منظومتي الديمقراطية وحقوق الانسان، في ردة فعل سلبية وهدامة لحوادث 11 سبتمبر الارهابية. وهذا التراجع كان عمليا، فقد مارست امريكا التعذيب عندما أقر الرئيس نفسه استخدام اسلوب “الايهام بالغرق” لسحب اعترافات من معتقلي تنظيم “القاعدة”، وهي ممارسة اعتبرتها المنظمات الحقوقية تعذيبا. وأقامت امريكا سجونا سرية في ثلاثين دولة نقل اليها المتهمون بالارهاب في رحلات جوية سرية بعد ان تختطفهم القوات الامريكية من الشوارع او المنازل في كافة انحاء العالم. وقال بوش  الابن كلمته الشهيرة التي اعتبرت العالم قطبين متضادين: من ليس معنا فهو مع الارهاب. وكان هناك تعويل على باراك اوباما لاعادة التوازن للسياسة الامريكية ولكن المؤسستين العسكرية والاستخباراتية كانتا اقوى منه، فلم يحقق الكثير من وعوده. ويسجل لاوباما قوله في 7 ابريل 2015  مخاطبا زعماء دول مجلس التعاون عندما جمعهم في كامب ديفيد: ان التهديد الأكبر “لحلفائنا السنة العرب يأتي من داخل دولهم أكثر مما يأتي من إيران”، مشيرا الى “السخط داخل بلادهم بما في ذلك سخط الشبان الغاضبين والعاطلين والإحساس بعدم وجود مخرج سياسي لمظالمه”. وفي 8 فبراير 2016 قال في كلمته الافتتاحية للقمة العالمية للحكومات التي عقدت في دبي: “عندما تستثمر الحكومات فعلا في مواطنيها وتعليمهم ومهاراتهم وصحتهم، وعندما تحترم حقوق الإنسان، فإن الدول تصبح أكثر سلاما وازدهارا ونجاحا”.

المشهد تغير كثيرا منذ فوز دونالد ترامب بالرئاسة الامريكية. اليوم يشعر بعض حكام دول مجلس التعاون الخليجي ان انظمتهم السياسية مدعومة بقوة من قبل واشنطن، وان قمة الرياض التي عقدت في شهر مايو غيرت التوازن الاقليمي ضد مطالب الاصلاح والتطوير، ومع الحفاظ على الانظمة السياسية القائمة، ودعم التوازن السياسي الذي يحمي المصالح الغربية والاسرائيلية ويتصدى لمشروع التغيير والمقاومة. وهذا يفسر بعض التطورات اللاحقة خصوصا ازمة الخليج الحالية وتصعيد القمع ومصادرة الحريات. فالتحالف الرباعي المعلن الذي اعلن استهدافه قطر يمثل ضلعا من مربع تمثل امريكا وبريطانيا  و”اسرائيل” اضلعه الثلاثة الاخرى. ومن انعكاسات هذا التحالف استهداف الحريات العامة خصوصا الاعلامية منها. فاذا كان لوسائل التواصل الاجتماعي خصوصا تويتر، دورها في تأجيج الرأي العام خلال ثورات الربيع العربي في 2011 فان هذه الوسائل اصبحت الآن محكومة بقوانين قمعية تصادر حرية الرأي والكلمة الحرة.

وهناك ثلاث دوائر تحكمها هذه القوانين: الاولى ان حكومات التحالف الرباعي المذكور اصدرت قوانين تجرم من يتعاطف مع الشعب القطري. ففي 7 يونيو أعلن النائب العام لدولة الإمارات حمد الشامسي أن “إبداء التعاطف تجاه قطر، أو الاعتراض على موقف الإمارات وما اتخذته من إجراءات ضد حكومة قطر، يعد جريمة يعاقب عليها القانون بالسجن والغرامة”. وتابع أن “إبداء التعاطف أو الميل أو المحاباة تجاه تلك الدولة، أو الاعتراض على موقف دولة الإمارات وما اتخذته من إجراءات صارمة وحازمة مع حكومة قطر، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي بتغريدات أو مشاركات، أو بأي وسيلة أخرى قولاً أو كتابة، يعد جريمة”. وفي اليوم نفسه صدر عن السلطات السعودية قرار بـ ” أن من يتعاطف مع قطر يرتكب جريمة إلكترونيةً، تصل عقوباتها إلى السجن مدة لا تزيد عن ٥ سنوات وغرامة مالية لا تزيد عن ٣ ملايين ريال”. وفي البحرين حذرت وزارة الداخلية من التعاطف أو محاباة حكومة دولة قطر أو الاعتراض على إجراءات حكومة المملكة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي سواء ” تغريدات ” أو مشاركات أو أي وسيلة أخرى قولا أو كتابة .. مؤكدة أنه يعد جريمة يعاقب عليها القانون بعقوبات قد تصل إلى السجن مدة لا تزيد عن خمس سنوات والغرامة. وكانت قرارات مماثلة قد صدرت بمنع اي انتقاد للحرب التي تقودها السعودية على اليمن، وتضم سجون السعودية والبحرين والامارات عددا من انتقد تلك الحرب.

الدائرة الثانية تتصل بتضييق حرية الصحافة بشكل غير مسبوق. وفي هذا الجانب اصدرت وزارة الاعلام في البحرين في 4 يونيو بيانا مقتضبا نشرته وكالة أنباء البحرين الرسمية “بنا”: “قررت وزارة شؤون الإعلام وقف إصدار وتداول صحيفة الوسط حتى إشعار آخر، لمخالفتها القانون وتكرارها نشر وبث ما يثير الفرقة بالمجتمع ويؤثر على علاقات مملكة البحرين بالدول الأخرى”. وفي الاسبوع الماضي تم تسريح موظفي الصحيفة المستقلة الوحيدة في البلاد، لتخلو الساحة من اية وسيلة اعلامية ناقدة. وتجدر الاشارة الى ان السلطات البحرينية استهدفت الاعلاميين بشكل متواصل، فاعتقلتهم ونكلت بهم وسحبت جنسيات بعضهم. ويرزح في السجن العديد من الكتاب والمصورين ومراسلي وسائل الاعلام الاجنبية والمدونين. وبهذا توجه ضربة اخرى لعالم الصحافة الحرة المستقلة تضاف لغلق صحيفة “السفير” اللبنانية و النسخة المطبوعة لصحيفة “اندبندنت” البريطانية.

الدائرة الثالثة ترتبط بالموقف ازاء قناة “الجزيرة” القطرية التي تأسست في 1996 وانطلقت من الدوحة بعد ان منحها الأمير آنذاك 150 مليون دولار. واشتهرت بمهنيتها من جهة وفتحها الباب امام “الرأي الآخر” لتوفر للمعارضين منبرا للمرة الاولى في العالم العربي. وكانت مثيرة للجدل منذ ايامها الاولى خصوصا من قبل السعودية والبحرين. وتضمنت الشروط الثلاثة عشر التي قدمها السعودية وحلفاؤها لقطر كشرط لانهاء الازمة غلق قناة الجزيرة، الامر الذي استنكرته المنظمات الحقوقية الدولية. فاعتبرته منظمة هيومن رايتس ووتش ” ليس عقابا لقطر، بل هو عقاب لملايين العرب في المنطقة بحرمانهم من تغطية إعلامية مهمة.” وقالت مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سارة ليا ويتس إن المطالبة بإغلاق الجزيرة ما هي إلا محاولة لتوسيع “الرقابة الجبانة” التي تفرضها السعودية والإمارات على مواطنيهما، “لكن مصيرها الفشل”. كما اعتبر الاتحاد الدولي للصحفيين أن المطالبة بإغلاق الجزيرة ستؤثر على حرية التعبير في العالم، معتبرا أن الجزيرة مصدر معلومات للمواطنين في الشرق الأوسط وغيره.

وهكذا دخلت منطقة الخليج نفقا مظلما آخر قد يؤدي بالجميع الى الهاوية. وذلك ضمن المشروع الهادف لاخضاع المنطقة العربية للهيمنة الانجلو – امريكية واستهداف محور مقاومة الاحتلال وانهاء القضية الفلسطينية لصالح الاحتلال الاسرائيلي. ويمثل القمع والتجهيل والتضليل بعض وسائل ذلك المشروع الشرير الذي سيضر الشعوب كثيرا ولن يحمي الانظمة من النتائج الوخيمة لسياساتها.

٭ كاتب بحريني (174)

مقالات ذات صلة