موقفنا من قانون ” أحكام الأسرة “

IMG_5589موقفنا من قانون ” أحكام الأسرة “
24 فبراير,2014

٭, ما هي أحكام الأسرة؟
القضية المطروحة في الساحة هي قضية أحكام الأسرة أو ما يُسمى بالأحوال الشخصية: وهي قضية ترتبط جذرياً بأحكام شرعية تعبدية، تتعلق بالزواج، الطلاق، النفقة، الحضانة، الوصايا، المواريث.
٭, من يحدّد الموقف.. السلطة والبرلمان أم الفقهاء؟
أحكام الأسرة هي كأحكام الصلاة والصيام والحج تماماً كلّها أحكام شرعية تعبدية، فمادامت القضية قضية لها بعدها الديني الشرعي البحت، فيجب أن يُحدّد (قناعةَ الموقفِ) منها من يملكون (الرؤية الفقهية) الأصيلة، وهم الفقهاء.٭, ما الذي يجري؟
ترتفع بعض الأصوات التي تتقدّمها التيارات العلمانية وبدعم قوي وموّجه من السلطة، تنادي باستصدار قانون مكتوب لأحكام الأسرة، عن طريق البرلمان، مدعية بأنه سيصدر وفق الشريعة الإسلامية.
وتحت غطاء ما تتعرّض له بعض النسوة من تعسّف من قبل بعض القضاة في المحاكم الشرعية، يتم الترويج إلى أن عدم وجود قانون مكتوب هو سبب المشكلة ووجوده هو الحلّ.
٭, رأينا:
أولاً: ليس لدى العلماء مانع في صدور قانون مكتوب بشرط أن يكون وفق الشريعة ابتداءً واستمراراً، أي لا يتم التلاعب به فيما بعد، فيتدخل البرلمان ليبدّل ويغيّر كما حدث في العديد من البلاد الإسلامية.
ثانياً: إننا وحتى لو غضضنا الطرف عن البرلمان من جهة عدم تمثيله للشعب لأسباب كثيرة يعرفها الكل، فإننا نرفض أن يتدخل مثل هذا البرلمان في شرع الله، فأحكام الأسرة من الأحكام الخطيرة التي ينبغي فيها الاحتياط الشديد، حتى قيل ما احتاطت الشريعة بمثل ما احتاطت في الفروج والأعراض، وكما لا يجوز التدخل لتحديد أوقات الصلاة وعدد ركعات الصلاة من قبل البرلمان، لا يجوز له التدخّل في هذه الأحكام.
ثالثاً: كما لا نقبل للشيعة أن يفرضوا على السنة أحكاماً دينية خاصة بمذهبهم، كذلك لا نقبل من الحكومة أو من السنة أن يفرضوا على الشيعة قانوناً خاصاً بمذهبهم من خلال هذا البرلمان.
٭, والحل:
من أجل أن نضمن أن القانون يأتي وفق الشريعة الإسلامية، ويراعي الخصوصية المذهبية، فإن هذا يتطلّب أن تكون المرجعية الدينية العليا للشيعة، هي من يضع هذا القانون وإليها يرجع الأمر في حال طلب التعديل على القانون، وليس للبرلمان حق التدخّل.
٭, ومن أجل تحقيق ذلك:
نطالب بإضافة مادة في الدستور لضمان هذا الأمر.
٭, هل مشكلة الظلم الذي تتعرّض له المرأة في المحاكم الشرعية نتيجة عدم وجود قانون مكتوب؟
المشكلة لا تتمثّل فقط في مسألة وجود قانون مكتوب كما تركّز حملات السلطة الإعلامية ودعاة التقنين، فالأحكام الشرعية موجودة في رسائل المراجع العظام، ولكن ما يحدث في المحاكم الشرعية أسبابه كثيرة.
٭, ومن أسباب ما يحدث من تجاوزات في المحاكم الشرعية تحيف بحق المرأة
٭, الأوضاع الفاسدة من قبل الحكّام هي السبب الرئيسي للبلاء..
الأوضاع العامة الفاسدة في مجتمعاتنا والتي تتحمّل مسؤوليتها الأنظمة الحاكمة هي من أهم أسباب ارتباك الأسر وضياع الحقوق.
٭, فالسلطة تتحمل العبء الأكبر.. لماذا؟
فهذه الأوضاع المنحرفة في المحاكم الشرعية سببها أن تعيين القضاة يتم بالمحسوبية من قبل السلطة وليس وفق الكفاءة والنزاهة، وأخطاء هؤلاء من مسؤولية السلطة التي وظّفتهم وليس العلماء الذين لم يتم حتى التشاور معهم في ذلك. كذلك فإن قلة عدد المحاكم الشرعية يؤدّي لتعطّل القضايا ربما لسنين عديدة.
٭, وفي هذا الإطار نوجّه سؤالا هاماً.. وهو:
السلطة فصلت الشيخ الجمري من السلك القضائي لأسباب سياسية، فهل سمعتم بأنها فصلت قاضٍ بسبب فساده أو ضعف أدائه؟
٭, السلطة أيضاً وأيضاً:
أكبر مشاكل المجتمع ومنها الأسرة سببها قلة العدالة في الحكم، فالبطالة والتجنيس الظالم والتمييز الطائفي في الوظائف والإسكان والتوظيف،.. كل هذه الملفات تركت آثارها على الأسرة ودفع ضريبتها الرجل والمرأة على السواء وإن كان نصيب المرأة أوفر لأنها العنصر الأضعف في كل المجتمعات، وضعف الحال المعيشية له دوره الذي يعترف به الإسلام في إثارة الكثير من القضايا والمشاكل في المجتمع.
٭, محاربة الدين وقيمه:
إضافة لكل ذلك، المحاربة الحثيثة للدين ونشر الرذيلة وتوّفر الجنس الرخيص المستورد، والتهاون في محاربة المخدرات. وهنا نتساءل: أين دور الدولة، وأين دور هذه الجمعيات النسائية والمجلس الأعلى للمرأة عن هذه الملفات التي هي بمثابة الأساس الفاسد لحدوث المشكلات في الأسرة؟
٭, القانون المدني مكتوب.. فأين دوره؟
وإذا كانت المشكلة في غياب قانون مكتوب، فهذه القوانين المدنية والتجارية والجنائية متوفرة ومدوّنة، فأين هي العدالة في تطبيق القوانين، وهل انتهت الأزمات والمشاكل؟
المسألة تتعلق بالتربية والوازع الداخلي أكثر من قانون يضرب به المستهترون عرض الحائط، ولا يبالي شارب الخمر ومتعاطي المخدرات من ضرب زوجته وتدمير أسرته ودخول السجن، فأين دور الدين الذي غيّبته آلة الإعلام وتهاون الدولة في القيام بمسؤولياتها، وترك الظواهر المنحرفة تتكاثر وتدمّر الأسر؟.
أين دور القانون المدني وهو قانون مكتوب؟ كم من الحقوق ضاعت على يدي قضاته؟ أين دوره في ردع هؤلاء البشر عن غيّهم؟ أم ننتظر أن يقوم بعض هذا النفر بقتل زوجته فيدخل السجن أو ضربها لدرجة الإعاقة، فيتم تحويل القضية على المحكمة الشرعية من أجل الطلاق والنفقة؟
٭, هل حقّاً بأن الدستور يضمن إسلامية القانون؟
توجد مادة في الدستور تقول بأن الإسلام دين الدولة، وقد زعم الداعون للتقنين عن طريق البرلمان بأنها تضمن أن تكون كل القوانين الصادرة من البرلمان وفق الشريعة.
ونقول لهم: ذلك لا يغني شيئاً، فالقوانين المدنية تعجّ بالمخالفة للشريعة، والبلد تباع فيها الخمور وتنتشر فيه الرذيلة، فأين الدولة من هذه المادة؟
٭, الردّ على دعوى أن إيران لديها قانون أحكام أسرة مكتوب:
هذه الدعوى يطلقها دعاة التقنين وهي تستهدف الشريحة المعارضة للتقنين عن طريق هذا البرلمان، وأهم نقاط الردّ عليها ما يلي:
ــ إيران لديها برلمان منتخب بالكامل، ويمثّل الشعب، وهنا مجلس نصفه تعيّنه السلطة، ويمرّر ما تشاء من قوانين، أما النصف الآخر المسمّى بمجلس النواب، فلا يعكس حقيقة الإرادة الشعبية، فالدوائر الانتخابية الطائفية تجعل من ألف شخص من بعض المناطق يساوي 33 ألف شخص من مناطق أخرى.
ــ هناك مجلس يسمّى مجلس صيانة الدستور، له حق إبطال أي قانون يصدر من البرلمان إذا كان يخالف الشريعة، وهنا لا يوجد ما يضمن إسلامية القوانين، والواقع يشهد بذلك.
ــ في إيران، الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع، وهنا الشريعة أحد المصادر الرئيسية للتشريع بجانب مصادر أخرى، لهذا فكثير من القوانين مخالفة للشرع وظالمة.
٭, الهدف الحقيقي لدعاة التقنين:
قد أوضح هؤلاء طموحهم للوصول إلى قانون علماني أو مزيج بين مشتهيات العلمانية وبعض الأحكام الشرعية، وهذا ما صرّحوا به بداية تحرّكهم، ودعوا لقانون موّحد يشمل السنة والشيعة، وفي هذا مصادرة لمذهب على حساب مذهب آخر، فبعض أحكام الزواج والطلاق والحضانة والنفقة وغيرها من أحكام يختلف فيها السنة عن الشيعة، لذلك نرفض السكوت عن ذلك، فديننا أغلى من دماءنا.
٭, لماذا الإصرار على أن يشرّع لنا هذا البرلمان أحكام ديننا؟
ما أشدّ الخطر على الدين والشريعة أن يعطى أعضاء برلمان ساقتهم الأقدار إلى هذا الموقع وكلّهم لا يملكون مؤهّلاً فقهياً تخصصياً، وفيهم من لا يؤمن أساساً بالشريعة الإسلامية، أن يعطى هؤلاء صلاحية أن يشرّعوا لزواجنا وطلاقنا ووصايانا ومواريثنا.
٭, هذه هي إرادة الشعب:
يجب على أعضاء البرلمان أن يحسبوا النتائج بدقة، وأن يحترموا إرادة أبناء هذا الشعب المسلم الذي لن يسمح لأيّ مؤسسة وضعية أن تتدخّل في أحكام الأسرة (الأحوال الشخصية) المحسومة من الناحية الشرعية، وأن العريضة الشعبية التي وقّعها عشرات الآلاف من أبناء هذا البلد لهي تعبير واضح عن إرادة الجماهير المؤمنة في هذا البلد.
٭, مرة أخرى.. ما هو حقيقة ما يريدون؟
قالوا: إنهَّم حينما طالبوا بقانون الأسرة أو بقانون الأحوال الشخصية إنمّا من أجل حماية الأسرة، ومن أجل الدفاع عن حقوق المرأة، وإنصاف المرأة وإنقاذ المرأة، إنَّ صدور هذا القانون هو الذي سوف يحمي الأسرة، وسوف يحرر المرأة البحرينية من هذا الوضع السيئ الذي تعاني منه منذ قرون.
٭, أتعلمون ماذا يعني هذا الكلام؟
إنّه يعني الاتهام للإسلام ولأحكام الإسلام، وهذا ما يروّج له أصحاب الثقافات العلمانية. وقد انخدع به بعض الناس في مجتمعاتنا.
٭, نسأل هؤلاء:
هل أنّ الأحكام المدوّنة في الشريعة الإسلامية غير قادرة على تنظيم شؤون الأسرة، وتحقيق العدالة في العلاقات، وحل المشاكل، وغير قادرة أن تنصف المرأة، وأن تمنحها حقوقها، حتى يأتي القانون الوضعي للأحوال الشخصية فيحقق كلّ ذلك؟
٭, نعم للتقنين الذي يضمن إسلامية القانون كل حسب مذهبه.. أما لماذا نقف ضد هذا المشروع.. فنقول:
نحن نقف ضد مشروع يحاول أن يعبث بأحكام اللّه ليس وقوفاً ضد المرأة، وضد حقوق المرأة، وقوفنا ضد قانون يصدر عن مؤسسة وضعية تسمّى بالبرلمان خوفاً على حقوق المرأة الشرعية.
خوفاً أن يشرّع هذا القانون في يومٍ ما حكماً يسقط شرطاً شرعياً في عقد الزواج فتكون المرأة تحت رجل بلا عقد شرعي.
وخوفاً أن يشرّع هذا القانون في يومٍ ما حكماً يسقط شرطاً شرعياً في الطلاق، فتنتقل المرأة إلى رجل آخر وهي لا تزال زوجة للأول.
وخوفاً أن يشرّع هذا القانون في يومٍ ما حكماً يبيح الإجهاض فيحدث العبث بما في الأرحام.
وخوفاً أن يشرّع هذا القانون في يومٍ ما حكماً يبيح التبنّي فيحدث العبث بالأنساب.
وخوفاً أن يشرّع هذا القانون في يومٍ ما حكماً يسمح للبنت أن تتمرد على ولاية الأب المشروعة فيحدث العبث في الأعراض.
وخوفاً أن يشرّع هذا القانون في يومٍ ما حكماً يسقط حقاً شرعياً للمرأة أو للرجل فترتبك العلاقات الزوجية.
وخوفاً.. وخوفاً… وخوفاً….
فهل في هذا الوقوف ضد هذا المشروع وقوفاً ضد المرأة، وضد حقوق المرأة
٭, وماذا يقولون أيضاً؟
إنّهم يقولون: إن تزايد معدل الطلاق في البحرين بسبب غياب قانون الأحوال الشخصية.
٭,نقول لهم:
أولاً: قبل ثلاثين سنة أو أكثر لم يكن هناك قانون للأحكام الأسرية، وما كان معدل الطلاق مرتفعاً، فارتفاع معدلات الطلاق في هذه الأيام ليس بسبب غياب قانون للأحكام الأسرية.
ثانياً: هذه كثير من الدول التي تملك قوانين للأحوال الشخصية، ترتفع فيها معدلات، أكثر مما هي عندنا، فمعدلات الطلاق في أمريكا مرتفعة جداً، ومعدلات الطلاق في مصر، في لبنان، مرتفعة جداً، فهل أن وجود قانون الأحوال الشخصية خفّف من حالات الطلاق؟
ثالثاً: إنّ ارتفاع معدل الطلاق له أسباب يجب أن تعالج، من هذه الأسباب:
1 ــ الأجواء الاجتماعية الفاسدة.
2 ــ المستوى المعيشي لكثير من الناس.
3 ــ الأزمات النفسية التي أنتجتها ضغوطات الواقع المعاصر.
4 ــ عدم الالتزام بأحكام الدين.
5 ــ الخلل في القضاء الشرعي.
٭, أخيرا.. ماذا قالوا وماذا قلنا؟
قال دعاة التقنين: إن قانون أحكام الأسرة الذي ندعو له وفق الشريعة الإسلامية.
قلنا: نريد ضمانات تبقيه وفق الشريعة، ولا تتدخّل السلطة فيه بالتغيير والتبديل مستقبلا.
٭,قالوا: ليس لديكم حلّ.
قلنا: هذا بديلنا وهذا هو الحلّ الذي يحقق نفس الهدف الذي تنشدونه.
أعطيناهم البديل، وهو عبارة عن تقنين أحكام الأسرة وفق الشريعة الإسلامية، مع إضافة مادة في الدستور من أجل بقاء القانون إسلامياً ودون أن يتعرّض للتغيير، إلاّ بالرجوع للمرجعية الدينية العليا للشيعة.
سكتوا طويلاً، فلم يجيبوا، ثم فجأة أصروا بدعم من السلطة وشنّوا حملاتهم الإعلامية التي كلّفت الملايين من الدنانير من أجل التقنين وفق الطريقة التي تريدها السلطة، وتوهيناً وإضعافاً للعلماء. (196)

مقالات ذات صلة