منتدى البحرين ينشر تعليق قانوني حول محاكمة آية الله الشيخ عيسى قاسم

تIMG_0141عليق قانوني حول محاكمة آية الله الشيخ عيسى قاسم

منتدى البحرين لحقوق الإنسان
قرّرت المحكمة الكبرى الجنائية الرابعة الثلثاء (14 مارس/ آذار 2017) مد أجل الحكم في قضية زعيم الطائفة الشيعية في البحرين آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم ومدير مكتب البيان للمراجعات الدينية الشيخ حسين يوسف القصاب (المحروس)، والعضو في مكتب البيان ميرزا الدرازي، إلى 7 مايو/ أيار المقبل؛ بتهمة “جمع أموال بغير ترخيص وغسلها بإجراء معاملات عليها بغرض إضفاء المشروعية عليها”؛ ونظرا للمخالفات العديدة التي حظيت بها هذه المحاكمة؛ فإنّنا ننشر هذا التعليق القانوني قبل جلسة النطق بالحكم، وهو جزء من دراسة قانونية ستنشر لاحقا بعد الانتهاء منها.

التمهيد

إنّ الخمس هو ركن أساسي من أركان الإسلام، والمسلمون من المذهب الجعفري(الشيعة) يتعبدون بهذه الفريضة حيث أن الأحكام الشرعية تلزم كل مكلف من الشيعة يجب أن يخرج النسبة المحددة (الخمس1/5) من فائض ما يملكه مرة في السنة (لها أحكام تفصيلية)، والشيعة في البحرين ليسوا أستثناء من هذه الفريضة بل يقومون بها كواجب لا تصح باقي الأعمال العبادية بدون القيام بهذه الفريضة.
لدى مراجع التقليد وكلاء بكل بلدان العالم يقومون بتحصيل هذه الأموال وفق الأحكام الشرعية والتصرف فيها كذلك وفق ضوابط محددة ومعروفة ومبينة في الأحكام الشرعية.
زعيم الطائفة الشيعية في البحرين آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم هو في مرتبة فقيه ولديه وكالة لأستلام الخمس بالنيابة عن المرجع الديني آية الله العظمى السيد علي السيستاني، ومنذ أكثر من عشر أعوام لدى الشيخ عيسى قاسم حساب مصرفي لإيداع الأموال فيه لحفظها من المخاطر ويقوم بعمليات مصرفية إيداع وسحب حسب ما تقتضي الحاجة.
والدولة تعلم بهذه العمليات المالية من خلال مصرف البحرين المركزي الذي يشرف على البنوك المحلية.

وكانت النيابة العامة قد وجهت التهم الواردة أدناه إلى آية الله الشيخ عيسى قاسم مع شخصين آخرين بما يخالف المادة 81 لقانون الإجراءات الجنائية، ومن المزمع أن يتم النطق بالحكم في الجلسة المقررة بتاريخ 7 مايو 2017؛ أما التهم فهي كما وردت في أمر الإحالة كالتالي:

1- اكتسبوا وحازوا المبالغ المبينة بالتحقيقات وأخفوا طبيعتها ومصدرها ومكانها مع علمهم بأنها متحصلة من جريمة جمع أموال بدون ترخيص، بأن أجروا عليها عمليات إيداع وسحب وشراء وتخصيص وتوزيع بما من شأنه إظهار أن مصدرها مشروع على خلاف الحقيقة وذلك على النحو المبين تفصيلاً بالتحقيقات.
2- جمعوا أموال للأغراض العامة دون حصول على ترخيص وذلك على النحو المبين بالتحقيقات.

وقد استندت النيابة العامة على المواد العقابية التالية:

1- من قانون العقوبات البحريني المادتين 64 و111.
2- من قانون حظر ومكافحة غسل الأموال المادة 1 والمادة 2 الفقرة 2 البنود(أ،ب،ج) والمادة 3 الفقرة 2 البند(ج) ، والمادة3 فقرة3.
3- من قانون تنظيم جمع المال للأغراض العامة المادة 1 والمادة 2 والمادة 14 البندين (2و4)
4- من قانون جمع التبرعات الخيرية العامة المادة 1الفقرة 2 والمادة 2 الفقرة1.

التكييف القانوني للدعوى الجنائية
إذا كان القصد الجنائي هو الأساس الذي تبنى عليه الأحكام الجنائية متى توفر لدى الجاني فإن مسألة التكييف القانوني للأفعال تكون قبل البحث في فكرة القصد الجنائي من خلال وقائع الدعوى، فالقاضي ملزم بأن يعطي الوصف القانوني السليم قبل الولوج في مداولات الدعوى ، ومن المقرر فقهاً وقانوناً بأن المحكمة لا تتقيد بالوصف الذي تسبغه النيابة العامة على الفعل المسند إلى المتهم لأن هذا الوصف ليس نهائياً بطبيعته وليس من شأنه أن يمنع المحكمة من تعديله متى ما رأت أن ترد الواقعة بعد تمحيصها إلى الوصف القانوني السليم.(طعن رقم 1260لسنة73ق جلسة28/7/2010) .
ويستخلص من ذلك بأن القاضي الجنائي إذا سلم بتكييف النيابة العامة فإنه قد أصبح التكييف نهائياً ومن أعمال القاضي وسلطته، ولكن النيابة العامة عندما تكون بصدد تحريك الدعوى الجنائية في مرحلتها الأولى فإن سلطتها غير مطلقة، بل مقيدة بالنص القانوني الذي يعطيها الحق في تطبيقه متى كان هناك فعل قد نص المشرع على أنه يستحق العقوبة، والفعل المجرم من المشرع هو أعطاء وصف قانوني لفعل إذا توافرت فيه الشروط الموضوعية والمادية فإن على النيابة العامة أن تباشر صلاحياتها القانونية في مواجهة الفعل المجرم لأخذ الحق العام.
تنص المادة الخامسة من قانون الإجراءات الجنائية البحريني على أن : النيابة العامة شعبة أصيلة من شعب السلطة القضائية ، وهي الأمينة على الدعوى الجنائية، وتباشر التحقيق والإتهام وسائر اختصاصاتها وفقاً لأحكام القانون. وعبارة وفقاً لأحكام القانون جاءت مطلقة بمطلق القانون أي أن النيابة العامة عليه أن تراعي في ممارستها كل القوانين بشكل عام والقوانين العقابية وقانون الإجراءات الجنائية بشكل خاص.
وإذا كانت الدعوى الجنائية تمر بثلاث مراحل، فإن أول مرحلة وهي التحضير لتحريك الدعوى الجنائية من اختصاص النيابة العامة ، وهذه المرحلة تتطلب الحيطة والحذر من النيابة العامة وهي تباشر جمع الاستدلالات والتحقيق لأنها ستنتهي إلى أحدى النتائج الثلاث ( إما بألا وجه لإقامة الدعوى أو بحفظ الدعوى أو بأمر الإحالة) وهذه تعتمد على التكييف القانوني المبدئي على الأفعال المنسوبة للمتهم،والتكييف القانوني لأي دعوى جنائية يترتب عليه أمر في غاية الخطورة، فقد يكون المتهم بريء (وهو الأصل) ويتعرض لإيذاء نفسي وشخصي بسبب التكييف الذي يخلص إلى إحالته للمحاكمة. فالنيابة العامة لا يمكن أن تمارس عملها دون قيد وأن تطلق التهم جزاف أو بشكل تعسفي، بل عليها أن تخضع للقانون وأن تجتهد في تجنب إحالة الدعوى الجنائية إلا بعد أن تتيقن بأنها وقفت على حقيقة الفعل المجرّم وأنها تحتمل الصواب في تكييفها القانوني لأمر الإحالة.
فالقاضي وإن كان هو صاحب السلطة في أنزال الوصف السليم والتكييف القانوني على التهم والمتهم، فإن ذلك لا يرفع المسئولية عن النيابة العامة في أمر الإحالة لما له من آثار ضارة على المتهم وحقوقه. فالقاضي وهو يمارس سلطته في المحاكمة يقوم بإعطاء التكييف القانوني والوصف القانوني السليم النهائي وهذه مسألة تتطلب شرطين لازمين :

الشرط الأول: أن ينص المشرّع على أنه إذا توافرت واقعة مجردة لها خصائص معينة فإنها تندرج تحـت أحد الأوصاف التي يعرّفها القانون ويرتب عليها أثراً قانونياً معين.
الشرط الثاني: أن يعلـن القاضـي أن الواقعة المعروضة عليه تتوافر فيها خصائص الواقعة المجردة التي أضفى عليها القـانون وضـعاً قانونياً معين .

والشرط الأول هو من عمل المشرع أما الشرط الثاني فهـو مـن عمـل القاضـي، وخلاصة ذلك بأن القاضي لا يمكن أن يخلق عقوبة بدون نص وضعه المشرع ولا يمكن للقاضي أن يصف واقعة ما بأنها مجرمة إذا لم يحددها المشرع. فالتكييف عمل خاص بالقاضي وسلطته التقديرية من خلال عقيدته التي تكونت من وقائع الدعوى المعروضة عليه، إذا التكييف هو ترجمة للمبدأ القانوني والدستوري بأن لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص.
التكييف القانوني من النيابة العامة في قضية آية الله الشيخ عيسى قاسم

التكييف القانوني كما ورد في أمر الإحالة لقضية آية الله الشيخ عيسى قاسم وآخرين من النيابة العامة كانت تهمة غسيل أموال مع تهمة جمع أموال بدون ترخيص (الخُمس) وذلك من خلال وصفها القانوني للتهم أدناه:

3- اكتسبوا وحازوا المبالغ المبينة بالتحقيقات وأخفوا طبيعتها ومصدرها ومكانها مع علمهم بأنها متحصلة من جريمة جمع أموال بدون ترخيص، بأن أجروا عليها عمليات إيداع وسحب وشراء وتخصيص وتوزيع بما من شأنه إظهار أن مصدرها مشروع على خلاف الحقيقة وذلك على النحو المبين تفصيلاً بالتحقيقات.
4- جمعوا أموال للأغراض العامة دون حصول على ترخيص وذلك على النحو المبين بالتحقيقات.

وللرد على ذلك يكون كالتالي:

النيابة العامة عندما قامت بتكييّف أولي للتهم الموجهة لسماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم واثنين من العاملين بمكتبه الخاص عن أموال الخُمس فأنها قد وقعت في خطأ من ناحية أنها حققت في عمل مباح(بل واجب شرعا) ولا توجد عليه شبهة جنائية، حيث أن المادة الثانية من الدستور البحريني لعام 2002 تنص على أن ( دين الدولة الإسلام، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع،،،) وتنص المادة السادسة عشرة من قانون العقوبات البحريني ( لا جريمة إذا وقع الفعل استعمالاً لحق مقرر بمقتضى القانون أو العرف) ، ولما كان استلام أموال الخُمس هو تكليف شرعي بحسب المذهب الجعفري وفريضة الخُمس تُلزم الشخص المكلف بأدائها أن يبحث عن الفقيه العادل والثقه فإن الأشخاص هم من يقومون بتسليمها إلى آية الله الشيخ عيسى قاسم لثقتهم فيه وأنه يمتلك الوكالة الشرعية عن المرجع الديني آية الله العظمى السيد علي السيستاني،وكذلك هذا ما تعارف عليه الناس المكلفين بأداء فريضة الخُمس إلى المرجع الديني والفقيه تسهيلاً لصرفه على أوجه الضوابط الشرعية من أحكام الإسلام.
ومن ناحية أخرى وقعت في خطأ التكييف القانوني عندما وكيّفت الأفعال المباحة (بل الواجبه شرعاً) بأنها مجرّمه بحسب قانون حظر ومكافحة غسيل الأموال وقانون جمع الأموال للأغراض العامة، حيث أن القانونين الأخيرين لا تنطبق فيهم مسألة الخُمس، إذ أن مسألة غسيل الأموال أو تبييض الأموال هي أحد الجرائم الإقتصادية التي يهدف من خلالها الشخص أن يضفي على الأموال المتحصلة من عمل غير مشروع شرعية قانونية، ويكون ذلك بحيازتها أو التصرف فيها أو إدارتها أو حفظها أو إستبدالها أو أيداعها أو أستثمارها أو التلاعب في قيمتها.
إذا، جريمة غسيل الأموال أو تبييضها لها ركنان أساسيان وهما الأموال متحصلة بطريق غير مشروع (مصدر غير شرعي) و الركن الأخر القصد الجنائي (العلم والإرادة والنية) وإذا أنتفى ركن أنتفت الجريمة.
وعن الحالة التي نحن بصددها حول التكييف القانوني من النيابة العامة في أمر الإحالة لمحاكمة آية الشيخ عيسى قاسم بأن أموال الخمس (أموال شرعية) التي يستلمها من المكلفين شرعا وفق المذهب الجعفري، فإنها لا يمكن أن تكون كذلك، لأن الأموال هي متحصلة من أعمال مشروعة وهي جزء (نسبة محددة مسبقاً) من كسب الفرد المكلف بتسليمها للمرجع الديني (الفقيه) وهي فريضة على المسلم وإن اختلف في مقدار النسبة أو تسميتها إلا أنه مجمع بين فقهاء المسلمين على أن الفرد المسلم مكلف بها.
ومن ناحية أخرى فإن آية الله الشيخ عيسى قاسم (الفقيه) ، هو يستلم الأموال ويقوم بإيداعها في المصرف (البنك) من أجل توزيعها على المستحقين (وفق ضوابط شرعية إسلامية) ، وليس هناك عملية مالية مخفية أو وهمية على البنوك أو الدولة يمكن أن تكون عملية غسيل أو تبييض للأموال ، بل على العكس هي من مصدر مشروع وإلى جهة مستحقة مشروعة.
وإذا ما نظرنا إلى القانون البحريني رقم 4 لسنة 2001 بشأن حظر ومكافحة غسل الأموال ، فإننا نجد تعريف غسيل الأموال أو تبييضها واضح ومحدد وقد حدد الأفعال التي يمكن أن تكون هي عملية غسيل أموال، وأن حالة آية الله الشيخ عيسى قاسم لا تنطبقاً بتاتاً عليه أو على عملية أستلام الخمس.وأن تكييف القضية(الأفعال) بأنها غسيل أو تبييض أموال لا تستقيم .
أضف إلى ذلك فإنّ فريضة الخمس لا تدخل في مفهوم جمع الأموال لأغراض عامة الذي نظمته بعض القوانين (قانون جمع التبرعات الخيرية العامة، قانون تنظيم جمع المال للأغراض العامة، قانون حظر ومكافحة غسل الأموال) ، كما أنّ الخمس هو ممارسة لعبادة دينية عند المسلمين الشيعية ولا يعتبر جمع لغرض ديني، فكل هذه القوانين لم تتطرق لمسألة الخُمس، بل هذه القوانين تعالج الأموال العامة التي تجمع ولا يعرف مواردها ومصدرها ولا يعرف كيف وأين تصرف، وأما مسألة الخمس فإنّ مصدره معروف وغير مطلق وموارده محدده وفق أحكام الشريعة ويصرف وفق ضوابط الشريعة.
الخلاصة
سبق تحريك الدعوى الجنائية قرار صادر من وزير الداخلية وصادق عليه رئيس الوزراء ومن ثم ملك البحرين بتاريخ: 20 يونيو 2016 بإسقاط الجنسية البحرينية عن آية الله الشيخ عيسى قاسم دون مبرر موضوعي قانوني استند عليه القرار مما جعل هذا القرار محل شجب واستنكار دولي حقوقياً وسياسياً أدخل السلطات البحرينية في حرج، وقد تزامن مع هذا القرار قرارات أخرى مرتبطة في الأصل بالمعارضة والطائفة الشيعية، مثل حل جمعية التوعية الإسلامية (شيعية) ومنع صلاة الجمعة والجماعة في الكثير من المساجد الشيعية وكذلك منع الكثير من العلماء من إقامة صلاة الجمعة والجماعة وإلقاء خطب (كلمات) فيها ، وبالإضافة لمحاكمة أكبر جمعية معارضة في البحرين (جمعية الوفاق الوطني الإسلامية) تم حلها لاحقا، وكل ذلك ترك أثراً سلبياً حاداً في نفوس المواطنين أفقدهم الأمن والأمان وشعروا بالأستهداف الطائفي من سلطات الدولة.
وبعد كل هذه الحزمة من الإجراءات قامت السلطات باللجوء إلى تحريك دعوى جنائية بتهمة غسيل الأموال (تبييض) عن جمع والتصرف في أموال الخمس على الشيخ عيسى أحمد قاسم، والغريب أن مثل هذه الجريمة تحتاج إلى أدلة مادية عجزت النيابة العامة عن تقديمها والسبب أن كل أوراق الشيخ عيسى كانت سليمة من الناحية القانونية وتحدد المقدار من المبالغ وكيفية التصرف فيها وكل ذلك وفق ما يحدده الشرع والمذهب الجعفري، ورغم ذلك قامت النيابة بإحالة الدعوى للمحاكمة بشكل مستعجل.

[1] http://www.moj.gov.bh/default45b8.html?action=article&ID=1527 (156)

مقالات ذات صلة