مشاعر النصر تتعمق بالصوم والصلاة والدعاء والحضور الميداني

IMG_0575عندما رفع الشعب البحراني شعاره باسقاط حكم العصابة الخليفية كان يعي معنى ذلك تماما، وقد تبلور بعد عقود من النضال المتواصل من اجل تحقيق صيغة توافقية للتعايش بين السكان الاصليين للبلاد (من الشيعة والسنة) والعائلة الخليفية التي كانت قد احتلت البلاد بقوة السيف. لم تنطلق الدعوة للتغيير السياسي من جهات شبابية طائشة، بل من مناضلين خبروا الحياة وادركوا استحالة التعايش بين الطرفين. هذه قناعة راسخة لدى قطاعات واسعة من الشعب. وبدلا من ان تتغير بفعل الضغط السلطوي فانها تزداد رسوخا بمرور الوقت ووضوح طبيعة الحكم الخليفي. فحكام اليوم لا يستحقون البقاء في مناصبهم التي احتلوها بالبطش والتنكيل والتآمر مع الاجانب ضد ابناء الوطن. يعتقد هؤلاء ان الملك حق دائم لهم، وان تفوقهم المادي والعسكري يكفي لحماية عروشهم الى الابد. هؤلاء لا يعترفون بالعقيدة الايمانية التي تقدس الله سبحانه “قاصم الجبارين، مبير الظالمين، مدرك الهاربين، نكال الظالمين، صريخ المستصرخين”. البعد الايماني خارج عن حساباتهم. بينما المستضعفون يؤمنون بذلك ويؤسسون مواقفهم عليه. هذه الطغمة المجرمة تزداد وحشية بمرور الزمن، بدلا من اصلاح نفسها وسياساتها. فماذا يعني ان يسجن انسان خمسة اعوام بسبب تغريدة تنتقد سياسة او موقفا حكوميا؟ ماذا يعني ان ينكل بكبار الحقوقيين كالاساتذة نبيل رجب وعبد الهادي الخواجة و الدكتور عبد الجليل السنكيس؟ ماذا يعني ان يعتقل محام لانه يعتزم رفع قضية امام القضاء الخليفي الفاسد ضد قرار الطاغية استهداف الشعب القطري بالحصار والتجويع؟ ماذا يعني ان يصبح وجوده وعصابته في الحكم مرتبطا بالوجود الاجنبي في البلاد لمواجهة الوطن والشعب؟
امام هذه الحقائق لم يبق امام الشعب سوى خيار واحد: التخلص من هذه العصابة الى الابد. ابطال الثورة، ممثلة بالقيادات المعتقلة والمواطنين الاحرار، اتخذوا ذلك القرار عندما نهضوا في اكبر ثورة شهدتها البلاد واطولها، فاطلقوا شعار: الشعب يريد اسقاط النظام، وما برحت تظاهراتهم يهيمن عليها هتاف: يسقط حمد. ضعاف النفوس الذين يرتجفون امام آلة القمع الخليفية يتراجعون امام التهديد والابتزاز، اما الابطال فلا يزيدهم ذلك الا صمودا واصرارا ووضوحا في الرؤية. وعندما أمر الطاغية، عبر جلاوزته، عددا من سكان الدراز بالتوجه الى قصورهم لتقديم الشكر على جرائمهم بحق ابناء الدراز وقتل خمسة من ابناء الوطن، كان واضحا ان التهديد والابتزاز (وفساد النفوس والانتهازية) ادى لتلك الزيارة الفاشلة التي ساهمت في تعميق الشعور بالتعجيل بالتخلص من الجرثومة الخليفية بالاستمرار في النضال السلمي المشروع الذي ما قصم ظهر الديكتاتور وعصابته.
ابطال الثورة كانوا واثقين بحتمية النصر. واليوم، بعد ستة اعوام من الثورة، يتضح قرب ذلك النصر اكثر من اي وقت مضى. منذ البداية، كان الشعب يعول على الله اولا، وعلى شبابه ثانيا، لتحقيق النصر. كان يعلم ان ميزان القوى الاقليمي والدولي يرجح الجانب الخليفي الذي يمسك بتلابيب السلطة وبيديه امكانات الدولة كاملة. مع ذلك كان هذا الشعب يرى في السنن الالهية الضمان الاقوى لانتصاره. هذه السنن تقول: انا لننصر رسلنا في الحياة الدنيا” و “كان حقا علينا نصر المؤمنين”، و “انهم لهم المنصورون، وان جندنا لهم الغالبون”، وكذلك “انا من المجرمين منتقمون”، “انا كذلك نفعل بالمجرمين”، “يوم نبطش البطشة الكبرى انا منتقمون”. فكيف تفعل هذه السنن فعلها؟ هذا من اختصاص الله سبحانه وتعالى. انها تأخذ مجراها بشكل انسيابي وطبيعي. يختلف الخليفيون في ما بينهم فتضعف شوكتهم، تضعف الاطراف التي يعتمدون عليها فيفقدون الدعم السياسي والامني الخارجي، يكثفون اجرامهم ويقتلون شباب ساحة الفداء بعد لقاء الطاغية مع ترامب، ثم تدور الدوائر ويسقط ترامب ويطرد من الرئاسة، يخسر المحافظون بزعامة تيريزا ماي، الداعم للاستبداد السعودي والخليفي، الانتخابات البرلمانية ويقوى جناح جيريمي كوربين الذي وقف مع قضية الشعب عقودا، تتحرر اوروبا من التأثير البريطاني المتحالف مع السعوديين والخليفيين، فتصبح اقدر على اتخاذ مواقف وسياسات تنسجم مع قيمها الديمقراطية ومباديء حقوق الانسان، فتحدث توازنا مع التحالف الانجلو – امريكي الذي يتجاهل تلك القيم والمعايير والمباديء، تتمادى السعودية في تكبرها واستعلائها وسعيها للهيمنة المطلقة على الخليج، فيتمزق مجلس التعاون، تستهدف قطر بالحصار فينقلب الراي العام الاقليمي والدولي ضدها ويحدث الاضطراب داخل البيت السعودي،يتصاعد الغضب السعودي ضد سلطنة عمان بسبب مواقفها المغايرة للرياض فتنفجر الازمة وتنسحب مسقط من مجلس التعاون ويسقط ذلك الكيان المهتريء الذي جعلته السعودية مطية لها، تتحطم أحلام الخليفيين والسعوديين والاماراتيين في اليمن بتصاعد اعداد ضحاياهم، فتنكسر شوكة المعتدين، يصبح العراق اقوى بعد التخلص من داعش، ينتهي الصراع السوري لغير صالح قوى الثورة المضادة، يشن الصهاينة عدوانا جديدا على الفلسطينيين او اللبنانيين ويتغير المزاج العام العربي لغير صالح التحالف الصهيوني – السعودي – الخليفي – الاماراتي، ينقلب الارهاب الذي صنعته السعودية ضدها فتستهدف باعمال ارهابية تضعف شوكتها. وثمة تطورات ليست في الحسبان تحدث فجأة بدون مقدمات لتغير التوازن وتحدث خللا في العلاقات. أليس كل ذلك محتملا؟ “ويهلك ملوكا ويستخلف آخرين”، “واذا اردنا ان نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا”
ماذا يعني ذلك؟ حقائق عديدة يمكن عرض بعضها: اولا: لو دامت لغيرك لما آلت اليك، ثانيا: اذا الشعب يوما آراد الحياة…. فلا بد ان يستجيب القدر، ثالثا: الشعوب اقوى من الطغاة وان تفرعن الطغاة، رابعا: الشعوب تصبر ولكنها لا تستسلم. خامسا: التسوية مع انظمة القمع والاستبداد تطيل اعمارها، والاستمرار بمقاطعتها يؤدي الى سقوطها ولو بعد .حين، سادسا: دماء الشهداء لا تجف ولا تذهب هدرا بل تلاحق القتلة والسفاحين حتى تطيح بهم. سابعا: النضال من اجل التغيير والتصدي للباطل مسؤولية انسانية واسلامية، والمناضل منتصر وان فقد حياته. ثامنا: الفضيلة وقيمها، وكذلك الخير والقيم الانسانية والاسلامية تتفوق دائما على قيم السوء والبطش والارهاب والفتك والتعذيب والتنكيل. تاسعا: دولة الظلم ساعة، ودولة الحق الى قيام الساعة. عاشرا: الحكم القبلي لا يدوم مع تنامي الوعي الشعبي الذي يرفضه ويهدف لاسقاطه. حادي عشر: لا يستطيع نظام الاستمرار على جثث الضحايا، ولا يمكن ان يستقر اذا اكتظت سجونه بالاسرى والمعتقلين، فكل صرخة من هؤلاء اقوى من الرصاص. ثاني عشر: الدعاء سلاح المظلومين، واستغاثات امهات الشهداء للرب العظيم المقتدر لا يحجبها شيء، وصلوات العاكفين في المساجد وتهجد الشيخ عيسى قاسم المحاصر في منزله الذي اضفت دماء الشهداء قداسة اضافية عليه، يخترق الحجب ويصل الى عنان السماء، فيستجيب له الرب وينزل غضبه على القوم الظالمين، فيسحتهم بعذاب وقد خاب من افترى.
هذه مشاعر شعبنا وهو يبدأ الربع الاخير من الشهر الفضيل، صائما، مصليا، داعيا، مرابطا في الميادين، هاتفا ضد الظالمين، مصمما على بلوغ آمال الشهداء واكمال مشوارهم. تقبل الله صومه وصلاته ودعاءه وجهاده.
اللهم ارحم شهداءنا الابرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا، يا رب العالمين
حركة احرار البحرين الاسلامية
16 يونيو 2017 (83)

مقالات ذات صلة