كتاب ديمقراطية الصولجان

ديمقراطية الصولجانالمقدمة

تجمع دفتي هذا الكتاب مجموعة من الدراسات والمقالات التي كتبت في أوقات متناثرة ومتباعدة، يجمعها هم واحد وفكرة واحدة وهي، أنه ما من طريق للجمع بين الديمقراطية وبين نظام القبيلة ، رغم كل المحاولات العديدة التي استخدمت في منطقة الخليج العربي أو في أي منطقة أخرى، فكان لهذه الفكرة أن تختبر نفسها في حيز ومنطقة محددة هي البحرين . عملت هذه المقالات والدراسات على أن تبحث في جذور تلك العلاقة وتفتش في حزم الأوراق ، و تُرجع ما تَشكلَ في لَبُوس الديمقراطية إلى حيزه القبلي .
لقد أكدت السيرة السياسية لعملية الدمج، أن محاولة الجمع أو التلفيق بين كلا النظامين قد قادت إلى الفشل في أكثر من مجال، ولكن المجال السياسي كان هو الهم والشاغل . فنتيجة لعملية الدمج هذه، فشل مشروع بناء الدولة الحديثة عندما تم هدم أسس البيروقراطية الأولى في العشرينات من القرن المنصرم (1923-1924) وأصبحت الدولة تدار بعقلية بدوية تعتمد في إدارة أمورها على عناصر الغنيمة والإستيلاء وإرث الغزو .
وها هي الديمقراطية اليوم توشك على الإنتهاء وفقد بريقها، والمجتمع ما زال يبتعد عنها بفعل ممارسات نظام القبيلة . مما يؤكد أننا بتنا نفتقد إلى الأطروحة السياسية القادرة على هزيمة نظام القبيلة .
ونظرا لهذا الوضع المزدوج لم يستقيم التحديث السياسي ونتج عنه مفهوم سلطوي للتحديث السياسي يذكر المتابع بثنائيات التحديث في حقل العلاقات السياسية . فهناك بنية سياسية أبوية مقابل بنية ديمقراطية وهناك أعراف وتقاليد قبلية وعشائرية وطائفية مقابل علاقات تبادل وتداول ومجتمع مدني وهناك مؤسسات حديثة أحزاب ونقابات صحف مقابل أحياء و جماعات طائفية و عشائر. و بصورة مجردة فإن إشكالية التحديث تتمثل في التبعية والخضوع للشخصية مباشرة مقابل علاقات غير خاضعة في أساسها للتبعية.
لقد حاولت السلطة السياسية أن تدخل شيئا من التحديث على نفسها دون أن يمتد ذلك التحديث إلى جوهر وأصل الأبوية والقبلية والعشائرية الكامن ، ومن دون الأخذ بالشروط العامة لذلك الدخول. فوضعت السلطة السياسية مقولاتها الخاصة بالتحديث السياسي، وهي أقرب إلى الضوابط منها إلى المقولات التي يمكن أن تطوّر من الفكر والبني المعرفية وذلك كخطوة أولى لتغير العلاقات الاجتماعية والسياسية والتغير الاجتماعي الشامل ، الذي إما أن يمهد المجتمع للتحديث ، أو أن يدخله في سياق التحديث السياسي .
ولن يتأتى لنا كشف ذلك إلا من خلال تحديد تلك الضوابط السلطوية حول التحديث السياسي و أول هذه الضوابط:
1- إحترام الطابع المثالي والثيوقراطي والأبوي للسلطة باعتباره يمثل واقعا مصوناً بواسطة القوانين والأحكام سواء كانت وضعية أو مستمدة من تعاليم الدين.
2- تقيد مبدأ المشاركة في حدود نخبة من الطبقة البرجوازية المتصلة اتصالا مباشرا بإدارة رؤوس الأموال وحركة الاستثمار التابعة للنظام .
3- تنمية شروط الرقابة في التجارة والإقتصاد والعمل الاجتماعي والسياسي والثقافي.
4- تقيد المبدأ العقلاني وعدم الحسم به . فالضرورة تقتضي الأخذ به في كثير من الممارسات كما تقتضي أن يترك في كثير من المواجهات أيضا .
كما عملت السلطة السياسية على أن تفرض على المجتمع التعامل مع كل ذلك على انه ثقافة مستمرة متواصلة مع ما عليه الواقع الراهن . مما يحول الماضي السياسي إلى مثال يحتذي به في مواجهة جملة المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. لقد أسست السلطة السياسية عرفا في مجالات التحديث السياسي منذ البداية يقوم على أساس المناصفة في الإنشاء فمجالس البلدية والصحة والمعارف والمجلس التأسيسي او أية هيئة رسمية أخرى، فإن العرف يقتضي انتخاب نصف الأعضاء من قبل السلطة. الأمر الذي يهيئ للسلطة القدرة على إتخاذ القرار النهائي من خلال صنع تيار يرى أن شرعية الحكم تبنى على الأعراف المكتسبة اكتسابا تاريخيا ولا تخضع لإدارة التمثيل الشعبي . لذلك فإن من جملة الأسباب التي دعت السلطة السياسية إلى حل المجلس الوطني 1975 (الوجه الأكثر صراحة في التحديث) هو الاقتراح الذي قدم من قبل كتلة الشعب في المجلس الوطني والقاضي بسحب سلطات الأمير من التصرف بأراضي الدولة وجعلها ملكا خاصا للدولة بدلا من ملكية الأمير لها. لقد رأت السلطة السياسية في ذلك حدا كبيرا لسلطات وقوة النظام فأقدمت على حل البرلمان.
لقد جاءت هذه المقالات لتعبر عن وجهة نظر كاتبها في أحداث سياسية حدثت في ختامية القرن العشرين، لكن تلك الأحداث ما برحت تعاود انتاج نفسها منذ أن وجدت قبل قرون، عبر صراع محتدم بين الديمقراطية والقبيلة في البحرين . و سيكون من الملفت إلى النظر أن هذه المقالات لم يسمح لها بالنشر إلا في المنتديات الإلكترونية وعلى وجه الدقة ملتقي البحرين لكنها كانت تأخذ طريقها إلى التداول بين الأصدقاء والمجموعات الإلكترونية وبعض المواقع الصديقة وكان البعض يطبع بعضها ويوزعها كمنشورات، لنكون أمام شهادة حية على أن الديمقراطية والدولة الحديثة لا يمكن أن يجتمعا مع نظام القبيلة .

عباس ميرزا المرشد
المنامة
15-11-2005

لقراءة الكتاب وتنزيله يرجى الضغط على الوصلة او صورة الكتاب :ديمقراطية الصولجان (3133)

مقالات ذات صلة