في رواية «جو» أحسست بكل شيء وانتفض جسدي!

img_4154مرآة البحرين/ ‏عبد الغني الخنجر: في رواية «جو» أحسست بكل شيء وانتفض جسدي!
في يوم من الأيام ونحن في سجن جهاز الأمن الوطني حيث اعتقلنا في خلية أغسطس/آب 2010م، وبعد أن تسنت لي فرصة للقاء المحامين، قلت يومها للمحامي عيسى إبراهيم “نتعرض للتعذيب والذل والتنكيل، نهان، نلعق الأحذية، فلم يتوقف التعذيب بحقنا ولم تتوقف المعاملة المشينة الحاطة بالكرامة” ماذا نفعل؟ “هل نقاوم عناصر جهاز الأمن الوطني؟!” يومها كنت أتماسك وأحبس دموعي وآلامي بصعوبة أمامه وأمام مجموعة المحامين، ويومها فقط ورغم كل ما جرى علينا دمعت عيناي لأول مرة عندما رأيت في وجهه نظرات التعاطف والحنان.

في سبع ساعات قرأت فصول رواية (جو) كلها. نعم تجرعت مرارة سبر فصول الرواية منذ الفصل الأول حتى الفصل الأخير بسرعة دون توقف ودخلت في هالة الأحداث الدموية والوحشية التي تعرض لها المعتقلون في أكبر س جون آل خليفة الحاكمة في البحرين، عشت ساعات في فصول الرواية، أحسست بكل شيء، بالماء البرد يصب على رؤوس السجناء، بالضرب بالهراوات، تنفست مسيلات الدموع، وصكت آذاني صرخات المعذبين، مرت كل التفاصيل بدقة، حتى لوهلة خلت نفسي، مع سجناء سجن (جو) في الخيام تحت وابل التعذيب والإهانات، مع الحقوقي ناجي فتيل وعبد علي السنكيس ومع الأستاذ عباس السميع المحكوم بالإعدام.

وأنا أعبر في سطور الرواية خلت نفسي مغرقاً في حبرها، لأنها رواية كتبت بالأحمر القاني وليس بالحبر. خلت نفسي ملطخا بدماء السجناء، في ذروة سكراتي عابراً لحظات المعاناة التي جسدتها رواية (جو) للمعتقل (جهاد).

تذكرت الدكتور عبد الجليل السنكيس، تذكرت الشيخ محمد حبيب المقداد، المحكومين بعشرات السنين، تذكرت عندما تعرضنا لصنوف من التعذيب والمعاملة الحاطة بالكرامة والبشعة سوياً في سجون جهاز الأمن الوطني، تذكرت حين قلتُ لهما “ما لم نقاوم الجلادين وهذه الأفعال الهمجية ونرفضها مهما كان الثمن فسوف تطبق على كل السجناء” يومها كنا أول مجموعة معتقلين طبقت عليهم هذه الأساليب الإجرامية، التي ذكر الكثير منها في الرواية، وكأنما قدرنا وثمن خلاصنا كشعب يتوق للحرية والكرامة أن يتذوق هذا الإجرام كل أبناء شعبنا.

في سرعة خاطفة قرأتُ الرواية كلها، أبكتني في حالات كثيرة، وانتفض جسدي مع انتفاضات جسد (جهاد) في حالات أخرى، لقد بعثت في الحياة والعزة والصمود في كثيرٍ من المحطات، حتى الوحوش التي تحدث عنها الكاتب، تخيلتهم وتجسدوا أمامي، فعادت بي لذكرى الجلادين في جهاز الأمن: عيسى حسان النعيمي، وبدر إبراهيم الغيث ويوسف على يوسف المناعي، وسلمان الشاووش.

تميزت الرواية بإحساس قل نظيره، وإبداع روائي ولغوي غير مبتذل أو متكلف، كما أنها تمسكت بالوقائع و لم تغير الحقيقة، كان الإحساس يتدفق منها دون توقف وفي كل فصل تجد المزيد من الأحاسيس الحقيقية، كل شي كان فيه إحساس. وصف (جهاد) كل شيء، من العطش للجوع، للألم للمهانة، للعزة والكبرياء والصمود والتوكل على الله، وحتى تعب الجلادين ويأسهم من كسر إرادة الأباة خلف القضبان، كيف لا وكاتبها خط سطورها من خلف القضبان، ويعلم أنه يقدم عمل عظيم، وهذا سر تشكُل هوية كثير من شبابنا المقاوم لحالات اليأس والخوف، الذي يرفض الاستسلام للجلادين، ويرفض التنازل عن قضاياه العادلة مهما حصل، هذا هو الإلهام الحقيقي، وهذه هي التضحية الحقيقية، عندما تكتب لا للمجد، ولا للذات، ولا للسمعة، وإنما لتطرح قضية، وتدافع عن حقوق شعب مسلوبة، وتقف في وجه طاغية مستبد، لا يهمك أن يظهر اسمك أو رسمك.

كان الوعي الكبير بحتمية النصر وحتمية انكشاف الألم حاضراً في الرواية، حتى الحوارات كانت حوارات تكشف عن عمق الوعي، تكشف عن هدف سام، حتى الفصول التي تحدثت عن السجناء الأجانب الجنائيين تكشف عن شعب ذي هوية حية وخلق كريم ومبادئ سامية، بحق هي رواية عابرة للحدود والجغرافيا.

دونت في الرواية تفاصيل هامة، وهذه التفاصيل تُلقي على عاتقنا كنشطاء أن نسعى لتوظيفها بكل ما يمكن من طاقة، توظيفها لملاحقة الجلادين والقتلة الذين يرتكبون الجرائم خلف جدران السجون بحق آلاف المعتقلين والسجناء، لذا أعتقد بأنها وثيقة هامة بعثتها لنا السماء عبر (جهاد) فتحية له وتحية لآلاف المعتقلين الصامدين وتحية لأم جهاد وهي تتطلع لحرية فلذة كبدها من سجون الطاغية.

*ناشط بحريني، ومعتقل سابق. (1636)

مقالات ذات صلة