في ذكرى الاستقلال: الشعب لن يرضى بأقل من تقرير المصير

IMG_0575-300x143-295x143بدأت تصدعات الخطة السعودية – الخليفية – الاماراتية – المصرية ضد قطر تظهر بوضوح، وهرع حكام هذه الدول الاربع للتعتيم على هزيمتهم المنكرة امام دولة صغيرة، وبدأ وزراء خارجيتهم صعاليك محاصرين بتصريحاتهم السابقة ومواقفهم التي كانت تبدو حاسمة لا رجعة عنها. واتضح الآن ان كل ذلك انما كان استعراضا اجوف سرعان ما تلاشى امام الرفض القطري للشروط الثلاثة عشر التي قال عنها التحالف الشرير انها مبرمة لا نقاش فيها ولا تراجع عنها. اليوم لم تتلاش تلك الشروط فحسب، بل ان الخليفيين يسعون لاخفاء مطالبتهم قطر بتعويضها المليارات بدعوى الاضرار التي تسببت السياسة القطرية في احداثها. صغار اولئك “الكبار” وحقراء هم المتكبرون، وضعفاء اولئك “الاقوياء”. فما فعلوه مع جارتهم انما هو الخطوة الاولى على طريق السقوط الذي سيؤدي بهم الى الهاوية. اصبح هؤلاء الذين نسوا ان قوتهم انما هي مستعارة من الدعم الانجلو – امريكي، وان موقف دونالد ترامب قد دفع ثمنه مئات المليارات من اموال الشعب السعودي المنهوبة من قبل العصابة السعودية. هذه حقيقة التحالف غير المقدس بين انظمة هي الاكثر شرا في عالم اليوم، والاشد بطشا بشعوبها، والأبعد عن طريق النصر او البقاء. هذه الانظمة محكومة بالتلاشي والسقوط لانها تعمل ضد المنطق الطبيعي وتتحدى السنن الالهية. ومن يفعل ذلك فليس امامه مجال للبقاء فضلا عن النصر او تحقيق المكاسب.
شعبنا البحراني ادرك هذه الحقيقة منذ زمن، ولذلك قرر اعلان موقفه التاريخي الاخير بانهاء حالة التعايش مع العصابة الخليفية التي ارتكبت من الجرائم ما لم يفعله سواها من حكومات العالم. كما ادرك شعب الجزيرة العربية انه هو الآخر مظلوم ومضطهد ومسلوب الارادة والحقوق. ادركا شعبا البحرين والجزيرة العربية حقيقة نظامي الحكم الجاثمين على ارض الوطن وصدور ابنائه، فقررا التزام طريق التغيير. يعلم هؤلاء ان التغيير ليس سهلا، وان دونه بذل التضحيات الجسيمة وتحمل المشقة، ولكن ليس ثمة سبيل آخر او طريق اقصر. لقد رأى العالم ما فعل التحالف الشرير الذي تقوده السعودية بالشعب العراقي من تآمر وقتل جماعي وفتنة كادت تفتت العراق وتمزق اهله. ورأى كذلك ما حل بالشعب السوري الذي استهدفته قوى الثورة المضادة بالارهاب غير المسبوق والفتن الداخلية التي لم يألفها من قبل، وكيف ان الامور عادت، بعد خمس سنوات عجاف، الى نقطة الصفر التي انطلق منها ببراءة لتحقيق اهداف سياسية مشروعة. رأى العالم ايضا كيف ان المال السعودي، مدعوما بما تمتلكه دول الخليج الاخرى، فعل فعله في اليمن، فقتل شعبها ودمر حضارتها ونشر الاوبئة بين ابنائها. هذا ليس تاريخا مسجلا في بطون الكتب، بل واقع يعيشه الجميع، ما تزال فصوله تتوالى دموية بدون توقف. هذه الحقائق دفعت الكثيرين من العقلاء لترديد المثل العربي القديم: كيف أعاودك وهذا أثر فأسك؟ ان مشهد منطقة العوامية هذه الايام لا يختلف كثيرا عما تراه العين في مدينة الموصل او مدينة حلب او اية مدينة وط\اتها ارجل الاشرار الذين انتجتهم السعودية وقامت بتصديرها للعالم لحماية العائلة الحاكمة في الداخل، وتجنيبها انتشار المجموعات الانتحارية الداعشية او القاعدية في العمق السعودي. العالم يرى ذلك ويدركه، بل ان امريكا شرعت قانونا يدين النظام السعودي بالضلوع في تفجيرات 11 سبتمبر حسب ما نصت عليه بنود قانون جاستا الذي اقره الكونجرس العام الماضي.
ماذا يريد البحرانيون؟ وماذا تريد الشعوب العربية؟ والى اين تسير الامور في المنطقة؟ الامر المؤكد ان الشعوب التي تقطن منطقة الخليج تدرك تماما معنى التركة البريطانية بعد 46 عاما من الانسحاب العسكري للامبراطورية العجوز. وفي هذه الذكرى اصبح الواعون من ابناء الامة اكثر وعيا بالاحتلال الاجنبي وما يعنيه. فالوجود البريطاني الذي انتهى بقرار فرضته ظروف الحرب العالمية الثانية ونتائجها المدمرة، ما يزال مثار لغط في الدوائر السياسية في لندن. وما تزال بريطانيا تبحث عن هوية سياسية واقعية تعيد بها بعضا من امجاد الامبراطورية التي كانت الشمس لا تغرب عنها. فبريطانيا ما تزال اسيرة لماضيها، وكانت تسعى لتعويض ذلك الماضي بعضوية الاتحاد الاوروبي بهدف الهيمنة عليه وتوجيهه وفق سياساتها. وبعد اربعين عاما من تلك التجربة ادرك الساسة البريطانية استحالة ذلك، فقرروا الانسحاب. هذا القرار لا يمكن ان يوفر حلا للمعضلات الجديدة – القديمة. ولذلك ما تزال المؤسسة الحاكمة تتأرجح في مواقفها بين العودة الى حقبة الاستعمار القديمة بتوسيع النفوذ الى منطقة الخليج بل حتى بحر الصين، ام البقاء في الافق الاوروبي والقبول بدور متواضع لجزيرة تخشى من الضياع في المحيط. انها فترة عصيبة في التاريخ البريطاني، وربما اكثر من ذلك في نفوس المواطنين الخليجيين. فهؤلاء يدركون اهمية الاستقلال والحرية، ولكنهم يخشون ايضا بطش الثور الذي يزداد شراسة قبيل موته. بريطانيا ما تزال ضائعة بين الخيارات الضيقة التي لا يوفر اي منها حلا يرضي الطبقة الحاكمة في السعودية والبحرين. ولان بريطانيا تعيش ازمات اقتصادية وسياسية لاسباب عديدة من بينها قرار الخروج من الاتحاد الاوروبي، فان حكومتها تسعى لتمتين روابطها مع دول مجلس التعاون. انه خيار غبي يساهم في تكريس ازمات بريطانيا بدلا من حلها.
بعد 46 عاما على الانسحاب البريطاني، تبدو التركة البريطانية بعيدة جدا عن القيم التي كان الغرب يروجها خصوصا في مجالي حقوق الانسان والديمقراطية. بريطانيا تركت وراءها عصابة حاكمة تدين بالولاء لها لانها هي التي وفرت لها اسباب البقاء. وتركت جهازا امنيا متوحشا يديره احد ضباطها الاستعماريين المعروفين بالشراسة. كان ايان هندرسون الذي توفي قبل ثلاثة اعوام، مهندس التعذيب في البحرين منذ ان استلم منصبه كمدير للامن العام فور وصوله البلاد في ابريل 1966. وكلفه البريطانيون بانشاء القسم الخاص بوزارة الداخلية للتعاطي مع المعارضين. وعلى مدى اربعين عاما لاحقة ادار هندرسون هذا الجهاز الذي سجن وعذب وسحب الجنسية وابعد المواطنين عن ارضهم. بريطانيا ايضا قامت بتدريب العشرات من ضباط الامن باكاديمية الشرطة في منطقة هندون بلندن. هؤلاء الضباط استلموا مناصبهم واداروا جهاز امن هو الاسوأ في تاريخ المنطقة وما يزالون يعذبون الاحرار في معتقلات جهاز الامن الوطني والسجون الاخرى خصوصا جو والحوض الجاف. بريطانيا تركت وراءها نظاما قمعيا متوحشا، يمارس الاستبداد والتوحش بابشع صورهما. وكلما ازداد هذا النظام اجراما اصبحت السياسة البريطانية اكثر دعما له. فاذا كانت في السابق تكتفي بارسال خبراء يعملون بالمؤسسات الامنية الخليفية، فقد كثفت دعمها لهذه العصابة بعد الثورة المظفرة، فامدتها بمجموعات من خبراء السجون بدعوى تطوير اداء اجهزتها الامنية والتزامها بالقوانين الدولية. اما النتائج فكانت كارثية، حيث اصبح التعذيب ممنهجا يمارس على اوسع نطاق. وبموازاة ذلك اصبح الجلادون اقدر على اخفاء ممارساتهم باساليب قذرة تعلموها من اولئك الخبراء. التركة البريطانية في البحرين لا تعبر عن ايديولوجية تروج الديمقراطية وحقوق الانسان، او تتصدى للانتهاكات والاستبداد. وفيما يستعد الشعب لاحياء ذكرى الاستقلال، تتعمق روح التمرد ضد الاستبداد والاحتلال، ويؤكد المواطنون تمسكهم بثوابت الثورة وفي مقدمتها تحقيق التغيير السياسي الشامل وانهاء حكم العصابة الخليفية واقامة منظومة سياسية وفق مبدأ “لكل مواطن صوت”، واحترام العهود والمواثيق الدولية واقامة حكم القانون. سيظل الشعب ثابتا على مواقفه حتى يتحقق له النصر على الظلم والاستبداد والعقلية القبلية، وسيتحقق له ذلك بعون الله تعالى.
اللهم ارحم شهداءنا الابرار، واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا رب العالمين
حركة احرار البحرين الاسلامية
11 اغسطس 2017 (108)

مقالات ذات صلة