ضرب الدوار عمق الثورة، واستهداف الشيخ يحقق النصر

IMG_0140وأخيرا فعلها الطاغية وارتكب أفظع الجرائم وقتل شباب البلاد بدم بارد. فما أقبحه وما أشد وقوفه امام ربه يوم يقوم الحساب. أبى فرعون ان يكون هناك “موسى” يهدي الناس ويأخذ بايديهم الى الصواب ويهديهم الى عقيدة التوحيد، تلك العقيدة التي تحرر الانسان من الانقياد لغير الله سبحانه. فرعون يمثل التكبر والاستعلاء والغرور والعدوان وانعدام الاخلاق والجشع والنهب. بينما يمثل موسى الايمان والطاعة المطلقة لله العظيم، والاخلاق التي تزين حياة البشر وتحول دون سقوط الانسان الى ما دون مستوى الحيوان. وقف سماحة الشيخ عيسى احمد قاسم موقف البطولة والاقدام مع الاحتفاظ بالايمان والاخلاق والقيم. عاش حياته متواضعا بين الناس، زاهدا في الدنيا لا يبحث الا عما يرضي الخالق، يتقي غضبه بطاعته، ويسعى لعمل الخير ليخلد مع الصالحين. لقد استطاع ان يحقق لنفسه مستوى ايمانيا راقيا وحياة انسانية حرة، بدون ان يحتاج للبطش او التنكيل بالآخرين او النهب او ا لسرقة او الظلم. فمنذ ان آمن بربه ودينه لم يبتغ عنهما حولا، فعاش مع الفقراء الذين أحبوه وعشقوه لانهم تلمسوا فيه الخير والاستقامة والايمان. وعندما توفرت الفرصة لممارسة السياسة كان الشعب وراء، فانتخبه ممثلا بالمجلس التأسيسي لوضع دستور دائم للبلاد، ثم انتخبه لعضوية المجلس الوطني ليمارس حقه في التشريع والمحاسبة. وفي كل هذه االانتخابات حقق اعلى المستويات، فكان بحق، ممثلا لشعبه وناطقا باسمهم. وفي المجلس احسن الاداء ودافع عن الحق وتصدى للظلم. وكان موقفه في الشهور الاخيرة من العام 1974 من بين المواقف التي اغضبت الطاغية. فقد التقى موقفه مع مواقف الوطنيين برفض مشروع قانون “امن الدولة” السيء الصيت ضمن توافق وطني اغضب العصابة الحاكمة ودفعها للانتقام من الشرفاء على مدى ربع قرن حتى فرض الطاغية مشروعه المعروف بالميثاق الذي خدع الشعب بالوعود لكي يقروه. وهكذا يظهر دور سماحة الشيخ في تأسيس الدولة الحديثة التي ولدت بعد الانسحاب البريطاني في 1971، فقد ساهم في وضع دستورها اولا ثم تحريك عجلتها البرلمانية لاحقا. وبالاجهاز على شخصه يسعى الطاغية لالغاء اية منجزات شعبية في مجال الدولة والدستور والقانون.

الشيخ عيسى احمد قاسم مارس دوره كعالم دين اولا ومجاهد ثانيا وسياسي ثالثا. وشارك الشعب افراحه واتراحه، وتعرض للتنكيل مرارا، كما حدث في 1984 عندما قامت العصابة الخليفية بمصادرة جمعية التوعية الاسلامية التي كان رئيسا لها، وتشميع ابوابها على مدى اكثر من 17 عاما. فلم يسمح الخليفيون باعادة فتحها الا في العام 2001، ولم تستمر طويلا، فقد اغلقت مرة اخرى مع جمعية الوفاق في 2015. فالخليفيون اعداء للممارسة الديمقراطية او النهضة العلمية والدينية. فبالاضافة لطبيعتهم العدوانية الجاهلية فان شعورهم بالانفصال عن الشعب البحراني الاصلي (شيعة وسنة) جعلهم يعيشون عقدة الغربة دائما، ولا يتحملون سماع الاصوات الوطنية الراغبة في الحفاظ على استقلال الوطن وتقدمه. ويبرز الطاغية الحالي من بين اسلافه كواحد من أسوأ حكام المنطقة وأكثرهم عقدة وأشرسهم وأبعدهم عن العلم والثقافة والايمان. ولكي يسد النقص في شخصيته أعلن نفسه “ملكا” على البلاد في اليوم الذي فرض فيه دستوره على الشعب وذلك في 14 فبراير 2002. ومنذ ذلك اليوم اصبح يتصرف بعنجهية وغرور وصلف، معتقدا حقا انه “ملك”، فراح يبدد المال العام ويخصص لنفسه الطائرات الخاصة. بل انه وضع يده على المطار العسكري في جنوب البلاد وخصصه لاستخدامه الخاص وبعض افراد عائلته. كما وضع يده على جزر حوار التي أقرت محكمة العدل الدولية في العام 2001 عودتها للسيادة البحرانية. واصبحت الجزر ملكا خاصا له، يضاف الى جزيرة ام النعسان التي تعادل في مساحتها جزيرة المحرق التي يقطنها اكثر من 250 الفا من البشر. لقد تبنى الطاغية سياسة تعويض النقص الداخلي بالاستحواذ على المال العام واضفاء مظاهر العظمة على شخصه. وما ان ا درك ان هناك شخصية كالشيخ عيسى ذات ثقل علمي وسياسي حتى شعر بالتهديد والمنافسة، فعمد منذ البداية لافتعال الازمات واستهداف كبار العلماء وعلى راسهم سماحة الشيخ. ويتذكر الكثيرون ما حدث في احدى المسيرات التي شارك سماحة الشيخ فيها في العام 2005 عندما امر الطاغية بلطجيته باستهداف المسيرة والمشاركين فيها، فتم الاعتداء على الشيخ عيسى حتى سقطت عمامته على الارض. كانت رسالة واضحة بان الديكتاتور الذي
عندما انطلقت الثورة المظفرة في العام 2011 في فترة الربيع العربي، اظهر شعب البحرين وعيا عميقا وصمودا كبيرا. ومرة اخرى كان للشيخ وبقية رموز الثورة كالاستاذين حسن مشيمع وعبد الوهاب حسين دور في كسر السلاح الطائفي الذي رفعه الخليفيون لضرب الثورة. وكان الشيخ يأمل ان يؤدي الحراك الشعبي الى اصلاح سياسي حقيقي. ولكن شيئا من ذلك لم يحدث. بل تمادى الطاغية وعصابته في القمع والاستبداد واستخدام القوة المفرطة بحق المواطنين، حتى استشهد المئات من شبابهم. ويتقن الطاغية فنون الكذب فيتحدث بالاباطيل وكأنها حقائق. حتى وصف ذات مرة شعب البحرين بانه “شرذمة”، وذلك في محاولة يائسة لتصغير شأن الشعب من حيث القوة السياسية والكثافة السكانية. فما كان من الشيخ الا ان دعا الى تظاهرة شعبية اعتبرت استفتاء على شعبية المطالب التي يرفعها الشعب. وفي 9 مارس من العام 2013 خرجت اكبر مسيرة في تاريخ البلاد بمشاركة اكثر من 200 الف مواطن، والكل يهتف بالاصلاح السياسي ودعم الثورة والمطالبة باطلاق سراح السجناء السياسيين. وربما كانت تلك المسيرة المنعطف الخطير في البلاد. فقد شعر الطاغية بصغره وحجمه الضئيل، بينما ظهر الشيخ عيسى عملاقا شامخا، يحظى بشعبية كاسحة، في الوقت الذي كانت شعارات الشعب: يسقط حمد، يسقط حمد. هذه الظواهر خلقت في نفس الحاكم الخليفي شعورا عميقا بالغضب والرغبة في الانتقام. فاضمرها لسماحة الشيخ. ومع تداعي الاوضاع السياسية والامنية اصبح واضحا ان المفاصلة بين الطرفين (النظام السياسي ممثلا بالديكتاتور الحالي، والشعب البحراني الاصلي ممثلا بشخص الشيخ عيسى احمد قاسم)، اصبحت تقترب بشكل تدريجي، وان مخاضات الطلاق الدائم بين الطرفين تتصاعد حدتها. فقد كان يأمل ان يصدر الشيخ عيسى موقفا يدفع الشعب للمشاركة في انتخابات العام 2014، وانهاء الحالة الثورية التي تشهدها البلاد. ولكن ذلك لم يحدث، فاضمرها الطاغية في نفسها وانتظر الفرصة للانتقام منه.
هذه المرة اصبحت المواجهة بين النظام السياسي ممثلا بالحاكم الحالي، والشعب الاصلي (شيعة وسنة) ممثلة بشخص سماحة الشيخ عيسى احمد قاسم، وانه لا مجال لتفاديها. كان الديكتاتور يتوقع ان يرفع علماء الدين ومعهم شعب البحرين راية الاستسلام البيضاء ويستسلموا للارادة الخليفية. ولكن شيئا من ذلك لم يحدث. بل استمرت الثورة تشق طريقها بثقة فائقة. فحان موعد الاستحقاقات الخليفية من سماحة الشيخ وما يمثل ومن يمثل. ومع استمرار التحريض المذهبي الذي تمارسه الحكومة السعودية في المنطقة الشرقية، وحمامات الدم التي اهرقتها هناك، اصبح واضحا ان الامور في البحرين لن تهدأ أبدا ما لم يحدث تغير سياسي جوهري. ولذلك شهدت البلاد تداعيات امنية خطيرة في العام الاخير، حتى بلغ الامر فرض حصار على منزل سماحة الشيخ عيسى ومنطقة الدراز التي يقطنها، ومنع المصلون من الوفود عليها كما منعت اقامة الصلاة في ذلك الجامع. وتعرضت منطقة الدراز لمدة عام تقريبا لابشع اشكال الحصار عقابا للمواطنين لوقوفهم مع سماحة الشيخ. ولكنهم صبروا وتوكلوا على الله حتى جاء العدوان الاخير الذي حصد ارواح خمسة على الاقل من الشباب وادى لجرح اكثر من مائة شخص واعتقال ثلاث مائة من ابناء الوطن. ما النتيجة؟ يجدر استحضار ما حدث بعد العدوان على دوار اللؤلؤة في مارس 2011. الثورة تواصلت وازدادت عنفوانا واصرارا حتى اصبح التعايش مع الخليفيين مستحيلا في نظر البحرانيين. هذه الحقيقة سوف تتأكد بعد العدوان على منزل الشيخ واراقة دماء الابرياء، فقد انتهى العهد الخليفي الى الابد ولن يقبل الشعب باقل من التغيير السياسي الجذري.

حركة احرار البحرين الاسلامية

٢٦ مايو ٢٠١٧ (137)

مقالات ذات صلة