رسالة الحرية والصمود والسلام من ثوار البحرين الى العالم

img_3852

 ستة اعوام طوال، مثقلة بالألام والاحزان، لكنها واعدة بالأمال. ثورة شعب البحرين انطلقت لتنتصر بعون الله. هذه حقيقة ثابتة لا يغيرها كيد الطغاة او ظلمهم او اجرامهم او تعسفهم. فكلما تصاعد القمع تعمقت القناعة بضرورة الثبات على خط التغيير، امتثالا لامر الله الذي “يأمر بالعدل والاحسان”. وفي غياب العدل ليس امام المؤمنين خيار سوى التصدي للظلم وتغييره. فالثورة ضمن هذه الاطر مسؤولية انسانية ودينية في الوقت نفسه. وقد نهى القرآن الكريم عن القبول بالظلم والظالمين: ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار، وما لكم من دون الله من أولياء، ثم لا تنصرون”. فلا يمكن ان يحقق الظلم ومن يتحالف معه نصرا على المؤمنين المتصدين. وجاء في الحديث الشريف: “الساكت عن الحق شيطان أخرس”. واذا كان هناك من يتردد في بداية الامر من التصدي للظلم الخليفي لاسبابه الخاصة وتبريراته التي من بينها ان الظلم لم يبلغ الذروة، فان تجربة الاعوام الستة الاخيرة اقنعت كافة الشرفاء من المواطنين بان الظلم الخليفي تضاعف عما كان عليه، وتمادى الطاغية في استكباره وتجبره. وكلما تعمق شعوره بالضعف الذاتي استشاط غضبا ومارس المزيد من القمع والاضطهاد، ليس بقواه الذاتية بل باستقدام الاجانب لاحتلال البلاد ومساعدته على التصدي للشعب البحراني الاصيل الخير. وربما كانت هناك في بداية الثورة مخارج سياسية من الازمة، ولكنها سرعان ما تلاشت بعد ان وصلت العلاقة بين الشعب البحراني الاصيل (بشيعته وسنته) نهايتها. فلا ثقة لدى الخليفيين باي مواطن شريف، بل اضطهد كل من  عارضه من ابناء الشعب، ايا كان مذهبه او ايديولوجيته.

قد يتساءل الكثيرون عما حققته الثورة في الوقت الذي تستمر خسائر الشعب والوطن نتيجة الافراط الخليفي في الانتقام من معارضيه. ويمكن القول ان النتيجة الاهم بعد نصف قرن من النضال الوطني تبلور قناعة راسخة لدى الاغلبية الساحقة من المواطنين بضرورة تغيير النظام السياسي في البلاد وعدم إضاعة المزيد من الوقت في محاولات اصلاحه. فبعد تجارب كثيرة بدأت قبل ستين عاما (بعد انتفاضة الخمسينات) وصل الشعب الى طريق مسدود في ذلك الطريق. واثبت الديكتاتور الحالي انه ابشع ما تمخضت عنه تلك التجارب، فقد اعطى نفسه صلاحية فرض دستوره على ا لبلاد بعد ان الغى الدستور الشرعي الوحيد، والغى الشعب الاصلي من المعادلة السياسية، فلم يعد مصدر الشرعية لحكمه بعد ان مزق الوثيقة الوحيدة التي تمنح العصابة الخليفية حق الحكم. ومارس سلطات استثنائية باستقدام الاجانب وتجنيسهم، وسحب جنسيات السكان الاصليين، واستهداف الهوية الثقافية والدينية للشعب، والتنكيل باكبر رمز ديني وسياسي في البلاد، سماحة الشيخ عيسى قاسم. هذا الطاغية يسعى لاحداث تغيير جذري لتوفير ارضية للحكم المطلق لعائلته التي احتلت البلاد بالقوة ولم يشعر افرادها يوما انهم جزء من الوطن واهله. الثورة اعادت للشعب ثقته بربه ونفسه وقدرة ابنائه على التغيير واستعداد قادته للتضحية من اجل اقامة دولة الحق والعدل. وقد مرت ستة اعوام على اعتقال رموز الوطن، وما يزالون ثابتين على مواقفهم التي اعلنوها بوضوح، برغم ما عانوه من اضطهاد وتعذيب وتنكيل في طوامير التعذيب الخليفية. وتؤكد قافلة الشهداء التي تشق طريقها نحو المستقبل المشرق، ان الصبح لناظره قريب، وان الليل الدامس لا بد ان يعقبه فجر مشرق، مفعم بالحياة والحركة والسعادة.

لقد احدثت الثورة وتداعياتها تغيرا جوهريا في مسار البلاد وتاريخها، والغت التركة الثقيلة التي خلفتها عقود من الاضطهاد والهندسة السياسية والديمغرافية التي قام بها الخليفيون. والاهم من ذلك ان الديكتاتور وعصابته اصبحوا اكثر اعتمادا في وجودهم على الاجانب، وهو امر لا يمكن الاعتماد عليه كاساس للبقاء في السلطة. فحين يفقد الحاكم القدرة على البقاء في منصبه مدعوما بدستور توافقي او مؤسسات شرعية تدير البلاد في مجالات التشريع والادارة والقضاء والدفاع والامن، فانه يتحول الى اداة للخارج. هناك اليوم ستة جيوش اجنبية تسند حكم العصابة الخليفية، فهل هذا وضع له مثيل في البلدان الاخرى؟ وقد جاء اعدام الشهداء الثلاثة، سامي مشيمع، وعباس السميع وعلي السنكيس بتهمة المشاركة في قتل مرتزق اماراتي، كمحاولة لطمأنة الجيوش الاجنبية بان احدا لا يستطيع استهدافها بسهولة، وان من يفعل ذلك فعقوبته الاعدام. ألا يعني ذلك ان طرفي المعادلة السياسية قد وصلا الى طريق مسدود وان عليهما الافتراق، كل الى جهته؟ بعد قرابة المائة عام من النضال الوطني هل يستطيع شعب البحرين التعايش مجددا مع طرف يرفض، هو الآخر، الاعتراف به كشعب وهوية وتاريخ ودين ومذهب؟ ان الاستبداد لا يصنع الدول ولا يقوم المجتمعات، ولا يحمي الطغاة. وفي غياب القبول الشعبي بنظام الحكم لا يمكن بقاؤه الا بالقهر والغلبة، وهما امران مرفوضان في منطق العصر، وان كان الغربيون قادرين على التكيف معهما. غير ان طبيعة المسار البشري تؤكد استحالة بقاء نظام يمارس القمع كوسيلة للبقاء. وبدون العدل تسقط الدول وتتلاشى الانظمة. وهذا هو واقع البحرين اليوم، وقد اكدت الثورة حتمية التغيير ولو بعد حين. لا شك ان التضحيات كبيرة، ولكن الآمال أكبر والارادة الانسانية أشد وأبقى، والسنن الالهية أصدق قولا وان الله أشد بأسا وأشد تنكيلا.

سيكثر في الحقبة المقبلة كلام المثبطين والمرجفين، وستبث شاشات التلفزيونات الرسمية صورا للانتهازيين وهم يطلقون تصريحاتهم التافهة لتقديم شهادات الزور لنظام التعذيب والموت “ولتسمعن من الذين كفروا والمشركين اذى كثيرا، وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا”. سيحرك الطغاة ابواقهم ضمن الحرب النفسية التي يشنها اعداء الحرية على الوطن والشعب والحقيقة، ولكن هؤلاء يفوتهم ان الثوار اوعى منهم وأشد ثباتا. فقد عصرتهم التجربة وصنعت منهم رجالا كبارا وقادة ميدانيين محنكين. لقد ولى عصر التضليل وسقط المرتمون في احضان الطغاة واعداء الوطن والشعب. فلن يكون لكلامهم أثر على معنويات شباب الثورة الذين عجنتهم التجربة وانصهروا في مصنع الثورة ومنحهم الله بصيرة الايمان فاصبحوا ينظرون بعين الله، ويستمتعون بلقائه ويتفننون في عبادته بالثبات وصدق الموقف والصمود والاصرار والتلاحم ورفض الاستسلام للظلم والانحراف والفساد والاحتلال. الثورة أطلقت العنان لقدرات شباب الوطن، معتمدين على الله وعلى انفسهم، في الوقت الذي اصبح الخليفيون اكثر اعتمادا على الدعم الاجنبي والعمالة للخارج واستقدام المرتزقة وبناء القواعد للاحتلال. سيتحدث المرجفون عن “الواقعية” و “العقلانية” و “مصلحة الطائفة”، بينما سيكون منطق الصامدين مختلفا في جوهره، لانه ينطلق من ايمان راسخ لا يتزحزح وبصيرة لا تخطيء وصمود لا ينكسر. صراع يخوضه شعبنا باسم الاجيال ومن اجل الحرية وباسم الله والاسلام والحق، ضد عصابة لديها مشروع جامد لا يتجدد جوهره وان تغيرت لغته واساليبه. انه صراع الحق والباطل بين المظلومين والظالمين، يتجدد عبر العصور وعادة ما ينتهي بسقوط الطغاة الذين ياخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. رسالة الثبات والصمود والامل هي ما يبعثه شعب البحرين الى العالم وهو يستعد لاحياء الذكرى السادسة لثورته المنصورة باذن الله تعالى.

اللهم ارحم شهداءنا الابرار، و اجعل لهم قد قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا رب العالمين

حركة احرار البحرين الاسلامية

3 فبراير 2017

 

(247)

مقالات ذات صلة