حكومة البحرين: المعارضة والإخوان وعوائل سنية عملاء لقطر

حكومة البحرين: المعارضة والإخوان وعوائل سنية عملاء لقطرحكومة البحرين: المعارضة والإخوان وعوائل سنية عملاء لقطر

الخميس 6 يوليو 2017 – 09:47 بتوقيت غرينتش

عقب اندلاع الأزمة الخليجية فجر الرابع والعشرين من شهر مايو الماضي، والتي تطورت في الخامس من يونيو المنصرم الى قطع كل من السعودية والإمارات والبحرين علاقاتها مع قطر وفرض الحصار عليها، ظهرت فصول متدحرجة من الخلاف تمثلت بتوجيه اتهامات للدوحة بزعزعة أمن دول خليجية والتآمر لقلب أنظمة الحكم فيها.

العالم ـ مقالات
ضمن قائمة الاتهامات، برزت تصريحات وهجمات إعلامية ضد قطرعلى خلفية “التآمر” لقلب نظام الحكم في البحرين ودعم المعارضة البحرينية ضد نظام آل خليفة.
بعض هذه الاتهامات الموجّهة للدوحة اليوم، كالسعي لتغيير البنية الديمغرافية البحرينية(السنية بالتحديد) تعتبر قديمة العهد، نظراً لوجود خلافات تاريخية بين المنامة والدوحة على خلفية النزاع على الحدود البحرية وملكية الجزر.
صحيح أن النزاع الحدودي فصلت فيه محكمة العدل الدولية عام 2001، إلا أن الاتهامات والخلافات استمرت في الظهور في الاعوام اللاحقة.
من المعلوم جيداّ أن النظام في المنامة دأب على اتهام المعارضة البحرينية بالارتباط بأجندات خارجية لقلب نظام الحكم والغاء الحكم الملكي للجزيرة الخليجية، وكانت ولا تزال المنامة تتهم المعارضة البحرينية بالارتباط بإيران وقد ظهر ذلك جلياً على مدى 6 أعوام من عمر الثورة الشعبية السلمية في البحرين.
فما الذي يدفع نظام آل خليفة اليوم إلى توجيه الاتهام لقطر بدعم المعارضة بعد أن كانت السردية الرسمية لنظام المنامة تتركز على اتهامها بتلقي الدعم والارتهان لإيران، في الوقت الذي يتهم فيه أيضا النظام تيار الاخوان المسلمين في البحرين بالارتباط بقطر، مع العلم بأن هذا التيار شأنه شأن كل الحركات الاخوانية في عديد الدول العربية يحظى برعاية قطر.
ارتباط المعارضة بالخارج: التهمة المطلوبة
لطالما واجه النظام المطالب الشعبية والحراك الوطني في البحرين بالاتهامات التي تتشابه وتتقاطع مع اتهامات مشابهة لأي حراك مطلبي في أكثر من دولة خليجية. يعود مسلسل اتهام الحركة الوطنية في البحرين بالارتباط بالخارج الى خمسة عقود مضت، ففي ديسمبر/ کانون الأول 1956 اتهم النظام (قبيل الاستقلال) قادة “هيئة الإتحاد الوطني” (التي ضمت رموزاً من الشيعة والسنة) للمطالبة باصلاحات سياسية بالارتباط بالخارج والسعي لـ “اغتيال أفراد من آل خليفة والاستيلاء على الحكم بالقوة وتهييج الرأي العام في البحرين”.
لا تزال هذه التهم تتكرّر كل فترة مع الاعلان عن القبض على خلايا يدّعي النظام أنها ترتبط بالخارج، وهذا الخارج كان دائماً النظام في إيران بعد انتصار الثورة الاسلامية فيها.
في وثيقة مسرّبة من الخارجية الأمريكية نشرها موقع ويكيليكس في آذار / مارس عام 2011، دوّن فيها الدبلوماسيون الامريكيون بسفارة بلادهم في المنامة محضر اجتماع الملك حمد مع رئيس القيادة الأميركية المركزية – آنذاك – الجنرال ديفيد بترايوس، حيث يستعمل الامريكيون مصطلح “نظرية” عندما يشيرون الى مزاعم حمد عن دعم ايران وحزب الله وسوريا لخلايا بحرينية تسعى لقلب نظام الحكم في البحرين، وهو في اللقاء نفسه يعترف لبترايوس أنه لا يملك دليلاً على هذه الادعاءات.
يضاف إلى اعتراف رأس النظام في البحرين انه لا يملك أدلة تثبت ادعاءات داخليته حول ارتباط المعارضين بالخارج، لا بد من الإشارة إلى وثيقة أخرى نشرها موقع ويكيليكس في آب / أغسطس عام 2008 ترد فيها معلومة نقلها سفير واشنطن في المنامة آنذاك “جوني يونغ”، مفادها أنه على الرغم من دعوة الملك حمد لحركة الوفاق المعارضة للمشاركة في انتخابات عام 2006 إلا أن حمد بن عيسى أخبره أنه “لا يمكنه أن يثق بشيعة البحرين كشركاء كاملين ومتساوين في العملية السياسية بسبب علاقاتهم القوية بإيران”.
إذاً، سواء انخرطت المعارضة البحرينية في العملية السياسية في البلاد او قاطعت فهي سوف تظلّ في موضع التهمة بالنسبة للنظام، وقد أثبتت التجربة ان أذرع النظام الامنية كانت دائماً ما تستغل الأجواء الخليجية لتقلي بدلوها في مسار التحريض والاتهامات التي لا تستند الى أي دليل سوى انها تندرج في تعزيز سردية النظام الحاكم في المنامة ومن خلفه النظام السعودي.
في السادس من كانون الثاني / يناير 2016 – بعد 3 ايام على قطع النظام السعودي علاقاته مع ايران عقب اعدام الشيخ الشهيد نمر النمر – أعلنت الداخلية البحرينية عن “اكتشافها” خلية سُمّيت بـ “قروب البسطة” ووجهت لها التهم نفسها، أي الارتباط بالحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني، في تأكيد على تماهي النظام في المنامة مع النظام السعودي في تحركه التصعيدي في المنطقة، وتأكيداً على الالتزام بالقرار الخليجي الذي تقوده السعودية في تعزيز منظومة إتهام الحراكات الوطنية بالارتباط بالخارج وتسويق سرديتها.
خلال الأزمة الخليجية الحالية اختار النظام الخليفي أن يدرج ثلاثة شخصيات بحرينية في قائمة أشخاص اتهمها الى جانب السعودية والامارات ومصر بالإرهاب، بحجة أن قطر تدعمهم وتأويهم إلى جانب أشخاص في أغلبهم يعدّون رموزاً في التيار الاخواني. الملاحظ ان الشخصيات البحرينية المعارضة المدرجة في هذه القائمة كان النظام قد اتهمها في أواخر أيار / مايو الماضي بتزعّم جماعات مرتبطة بإيران والحرس الثوري الايراني ولم يتم ذكر قطر في لوائح الاتهام حينها.
ولم يكن مستغربا غياب أي ذكر للشخصيات الإخوانية البحرينية في “قائمة الشخصيات والكيانات الارهابية” لتحالف الدول الخليجية الثلاث + مصر، مع العلم بأن القيادي الاخواني البحريني المعروف عبد اللطيف المحمود هو عضو في “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” الذي تم تصنيفه في قوائم الكيانات الارهابية التي ترعاها قطر.
في السادس عشر من يونيو الجاري، نشر تلفزيون البحرين مكالمة هاتفية حصلت في آذار / مارس 2011 بين عضو الأمانة العامة لجمعية الوفاق الشيخ حسن سلطان ومستشار أمير قطر حمد العطية، في محاولة لإثبات التآمر القطري على النظام البحريني، وهو ما نفته حركة الوفاق المعارضة في بيان أصدرته شارحة ان “كافة اتصالاتها السياسية الرسمية مع المسؤولين والدبلوماسيين معلنة وتجري منذ تأسيسها تحت مرأى وعلم الحكومة البحرينية”، مضيفة ان الجمعية تلقت وساطات من السعودية والكويت وقطر وتركيا في بداية الأزمة وأن هذه الوساطات أشار إليها تقرير اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق “تقرير بسيوني”.
الخارجية القطرية بدورها نفت في بيان ما ادعاه تلفزيون البحرين في بثه للمكالمة الهاتفية، مشيرة إلى أن “الاتصالات تمت ضمن جهود الوساطة التي قامت بها دولة قطر بعد وقوع المظاهرات في البحرين عام 2011 بموافقة وعلم السلطات في البحرين”.
يتّضح بعد سرد هذه الوقائع ان النظام البحريني تعمّد رمي التهمة على المعارضة البحرينية بالعمالة لدولة قطر لمجاراة الهجوم الذي تقوده السعودية، التي بدورها وجّهت اتهامات للمعارضة في المنطقة الشرقية في السعودية بتلقي الدعم والارتباط بدولة قطر، مع ان الرواية الرسمية للنظام السعودي كانت على الدوام ان المعارضة الشيعية في المنطقة الشرقية تتبع لإيران وفق ما دأبت على الترويج له.
لكن السؤال هنا، هل ان الازمة الحالية سوف تفتح أفقاً للتواصل بين المعارضة وقطر؟ وهل انّ عودة قناة الجزيرة القطرية لبث تقارير عن الثورة في البحرين وقمع النظام لها يُعدّ مؤشراً على رغبة قطرية بإعادة فتح قنوات تواصل مع معارضة البحرين؟علما بأن الاكاديمي القطري الدكتور محمد صالح المسفر شارك بمداخلة هاتفية على قناة اللؤلؤة المعارضة قبل أيام ليتحدث عن “ضغوظ مورست على قناة الجزيرة لعدم تغطية أحداث البحرين عام 2011”.
قطر وسنة البحرين
في 12 تموز / يوليو 2014، إبان الأزمة الخليجية الاولى بين السعودية والإمارات والبحرين مع قطر، ظهر وزير خارجية البحرين خالد بن أحمد آل خليفة في مقابلة على قناة “روتانا” للحديث في العديد من الملفات، ولكن كان لافتاً انه وجّه في مقابلته اتهاماً غير مسبوق لقطر بالقيام بعملية تجنيس للبحرينيين السنة في قطر، مضيفاً أن “الدوحة تتعامل في الموضوع على أساس مذهبي، إذا كان سنياً من قبائل عربية من أهل البحرين فالباب مفتوح، وإذا كان شيعياً فالباب أمامه مغلق”.
صحيح أن الظرف الخليجي حينها كان يفرض على الوزير البحريني أن يهاجم القطريين – مع الأخذ بعين الاعتبار التنافس التاريخي بين المنامة والدوحة – إلا أن خالد بن أحمد ادعى حينها أن الدوحة تقدم إغراءات للعائلات السنية البحرينية لترك البحرين، وهو في مقابلته حينها أسهب في شرح خطورة المخطط القطري الذي سيغيّر في التركيبة الديمغرافية في البحرين.
لم يذكر الوزير البحريني حينها شيئاً عن التجنيس الذي يقوم به نظامه عبر استقدام الأغراب للاستيطان على أرض البحرين، فعمليات تجنيس السعوديين والأردنيين والفلسطينيين لا تقارن بحجم تجنيس الباكستانيين البلوش على سبيل المثال، ومن هنا يمكن فهم النفاق الذي ينتهجه نظام آل خليفة عند حديثه عن الهاجس الديمغرافي، وهنا – ليس دفاعاً عن قطر – ولكن من باب الموضوعية، فإن المواطن السني في البحرين شأنه شأن المواطن الشيعي من حيث تعامل النظام مع حقوق المواطنة، فأقل اعتبار يمكن ذكره هنا يتمثل في عملية التوظيف في الاجهزة الأمنية والوظائف الحكومية التي يسعى النظام الخليفي الى تجييرها لصالح المجنسين الأغراب دوناً عن المواطنين الأصليين، وهذا مؤشر على عدم ثقة النظام بمواطنيه.
وفي المحصّلة فإن تهمة السعي القطري للتأثير على الواقع الديمغرافي في البحرين ظهرت حصراً في أوقات الخلافات الخليجية مع قطر عام 2014 واليوم في الأزمة الراهنة، وهو ما يدعو للتساؤل حول واقعية هذه الاتهامات التي لا تظهر إلا في ظروف خاصة، في الوقت الذي من المفترض أن تكون حاضرة باستمرار إذا أخذنا بجديتها.
وفي كل الأحوال، تبدو العوائل السنية العربية التي اختارت الاستقرار في قطر هروبا من الوضع المتردي في البحرين محل رصد واستهداف رسمي.
التيار الإخواني في الأزمة الحالية
يعتبر التيار الإخواني في البحرين بشقيه الدعوي (جمعية الاصلاح) والسياسي (جمعية المنبر الاسلامي) من التيارات الحاضرة على الارض في البحرين منذ حوالي سبعة عقود. إلا أن الأزمة الخليجية الحالية شكلت نقطة فاصلة في تاريخ اخوان البحرين، كون علاقتهم بالتنظيم العالمي للإخوان والزعيم الروحي د. يوسف القرضاوي معروفة وغير سرية.
في الثاني من حزيران / يونيو الحالي أصدرت الجمعيتان بياناً مشتركاً أعلنتا فيه التزامهما بالقرارات الخليجية ضمن ما أسمياه “الوقوف مع الشرعية الدستورية لمملكة البحرين ونبذ الإرهاب دينياً أو اجتماعياً صهيونياً أو صفوياً أو داعشياً أو تكفيرياً” وفق تعبير البيان.
يُفهم من البيان (الذي لم يرد فيه أي ذكر لقطر) انه ما يشبه السعي لتبرئة ساحته وإعلان تنصله من الارتباط بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، مع تكرار الثناء على قيادة السعودية للتوجه الخليجي بعد قمة الرياض الأخيرة مع ترامب، وتكرار الموقف المعادي لإيران والمعلن منذ حوالي 6 سنوات.
من الواضح أن التيار الإخواني في البحرين يعي جيداً ان أحد أبرز الاسباب للهجمة الحالية على قطر هي رعايتها لتيار الاخوان المسلمين في الدول العربية، ومن المصلحة أن يحاولوا تحييد انفسهم عن المعركة.
ومن الملاحظ حتى الآن أن تيار الاخواني البحريني يعاني هو الآخر وإن أقل كثيرا وبما لا يقارن بالمعارضة من الرصد، وإن ظل بعيدا حتى الأن من دائرة العقوبات والتضييق في القرارات الخليجية التي صدرت ومنها قائمة الشخصيات الاخوانية التي تم تصنيفها بالإرهابية.
يبدو التيار الإخواني في البحرين حالياً يتساءل إن كان سينجو من موجة شيطنة التيارات الإخوانية حول العالم، مع الأخذ بعين الاعتبار ان دولة الإمارات مثلاً مصرّة على محاربة التنظيم أينما وُجد في البلدان العربية، والشاهد على ذلك ما يحصل في اليمن من استهداف اماراتي لحزب الإصلاح في نفس الوقت الذي تقوم فيه السعودية بالتنسيق مع هذا الحزب في جنوب اليمن وتستضيف رموزاً من قياداته في الرياض.
في العاشر من كانون الثاني / يناير الماضي تقدم السناتور الجمهوري “تيد كروز” بمشروع قانون للكونغرس الأمريكي يقضي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين على قوائم الإرهاب، ففي حال إقرار القانون ستكون الدول الخليجية مجبرة على الالتزام بالتصنيف الأمريكي، وهنا يبرز سؤال كبير: هل سيستمر النظام الخليفي باحتضان اخوان البحرين أم انه سوف يضحي بهم؟
مع ذلك، ليس واضحا إن الاخوان المسلمين في البحرين بصدد إعادة النظر في مواقفهم السياسية التي انتهجوها منذ سنوات من حيث الاتجاه نحو التصالح مع المعارضة الوطنية في البحرين، للخروج ببرامج وطنية تساهم في بلورة الاصلاح السياسي، وهذا يعني استمرار تحالفهم مع الآلة العسكرية الخانقة في المنامة.
* علي مراد ـ مركز البحرين للدراسات (185)

مقالات ذات صلة