*بقلم إميل نخلة: إعتداء البحرين على الصحافة الحرة.. لماذا الوسط؟*

http://lualuatv.com/?p=58038

IMG_0509*بقلم إميل نخلة: إعتداء البحرين على الصحافة الحرة.. لماذا الوسط؟*

 

ترجمة اللؤلؤة – ( المسؤول السابق بوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية (CIA) إميل نخلة في مقال نشره موقع “LobeLog” ) – إن قرار الحكومة البحرينية في 4 حزيران / يونيو بإغلاق الوسط إلى أجل غير مسمى يؤكد مرة أخرى استمرار النظام في الاعتداء على حرية التعبير والإعلام المستقل. وادعت وزارة الإعلام في بيانها أنها أغلقت الصحيفة بسبب “انتهاكها للقانون و تكرار نشر معلومات تزرع الانقسام في المجتمع وتؤثر على علاقات البحرين مع الدول الأخرى”. إن الادعاء مزيف ولا أساس له من الصحة كذلك بيانات رسمية ضد “الوسط” ووسائل إعلامية “للمعارضة السلمية” و “وسائل الإعلام الإلكترونية” الأخرى.

إن القرار ليس مفاجئا نظرا لتاريخ النظام القمعية والانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان. غير أن ما يثير الدهشة هو أن كلا من الرئيس دونالد ترامب ووزير الخارجية ريكس تيلرسون، اللذين سافرا مؤخرا إلى الخليج الفارسي، قد احتجا على التدابير الصارمة التي اتخذتها البحرين ضد الصحيفة الوحيدة في البلاد التي لا تخضع للنظام. إن صمت إدارة ترامب في الدفاع عن الصحافة الحرة في البحرين أمر مروع ويرسل مرة أخرى إشارة خضراء إلى الأنظمة الاستبدادية في البحرين والدول المجاورة لإضطهاد شعوبها.
وقال منصور الجمري، رئيس تحرير الوسط، في إعلانه عن الإغلاق: “هذه المرة أكثر اختلافا بكثير. استمرت عمليات التعليق الثلاثة السابقة بين يوم واحد وثلاثة أيام. هذا التعليق الرابع أصبح دائما “.

وبعد عشرين يوما من أمر وزارة الإعلام البحرينية بالإغلاق، أبلغ رئيس مجلس إدارة “الوسط” موظفي الصحيفة، بمن فيهم رئيس تحريره، أنه سينهي عقود عملهم بسبب الخسارة التي تكبدها ازاء قرار وزارة الإعلام بإغلاق الصحيفة.

لماذا الوسط؟

عاد منصور الجمري من لندن إلى البحرين لإدارة الوسط في حزيران / يونيه 2002 خلال الفترة البهيجة لما أطلق عليها حملة الإصلاح التي باعها الأمير حمد في ميثاق العمل الوطني لعام 2001. وكانت الصحيفة مرخصة للعمل كدار نشر مستقل وكانت ملتزمة بجدول أعمال الإصلاح. في السنوات الـ 15 الماضية، على الرغم من التذمر المتكرر من النظام، ظلت الوسط داعما سلميا لجدول أعمال ديمقراطي، مثله مثل ما وعد به الأمير ولاحقا الملك حمد بن عيسى آل خليفة، الحاكم الجديد في البحرين آنذاك.

عاش منصور الجمري، وهو بحريني ذو تعليم بريطاني ومواطن شيعي معتدل من البحرين، في المملكة المتحدة في منفاه الإختياري منتظرا ظهور حقبة جديدة من الحوار السياسي العقلاني قبل أن يتمكن من العودة إلى دياره. وقد وعد الأمير حمد بهذا الافتتاح في ميثاق عمله الوطني لعام 2001. وعلق البحرينيون والمجتمع الدولي آمالا كبيرة على رغبة الحاكم الشاب في إجراء إصلاح سياسي شامل في البلاد لجميع المواطنين بين الأغلبية الشيعية والأقلية السنية. ودعا البحرينيين المقيمين في الخارج للعودة والمشاركة في تجربة الإصلاح من خلال الوسائل السلمية في سياق حرية التعبير والتجمع والنشاط السياسي. وستشارك مؤسسات المجتمع المدني والنوادي الاجتماعية في العملية السياسية بدلا من الأحزاب السياسية.

وآمن الجمري بهذا الوعد وعاد الى البحرين وأطلق صحيفة “الوسط” في السابع من ايلول / سبتمبر 2002. وسرعان ما حصدت الصحيفة على عدد كبير من القراء بسبب تغطيتها الاخبارية والإفتتاحيات والأعمدة المتوازنة والعادلة. كتب بحرينيون محترمون من كل الاطياف الأيديولوجية بانتظام ككتاب عمود ضيوف. قبل الجمري حكم آل خليفة، لكنه دعا باستمرار وبإصرار إلى التنفيذ الكامل لجدول أعمال حمد الإصلاحي كما عبر عنه في ميثاق العمل الوطني.

ودعت الوسط إلى فتح النظام السياسي لجميع المواطنين على أساس السلام والكرامة وسيادة القانون. ولسوء حظ الجمري والواسط، بدأ النظام بالتراجع عن أجندة الإصلاح التي عزاها الكثيرون في ذلك الوقت إلى الانقسامات العميقة داخل الأسرة الحاكمة والضغوط المناهضة للإصلاح من الخارج، خاصة من المملكة العربية السعودية.

وقد عارض البعض داخل الأسرة الحاكمة، بمن فيهم رئيس الوزراء المحافظ خليفة بن سلمان، شقيق الأمير السابق وعم الجديد، بشدة ميل الملك الجديد نحو الإصلاح وعملوا على تقويضه. وقد عارض رئيس الوزراء، وهو اطول رئيس وزراء غير منتخب فى العالم، كافة الاصلاحات لانه اعتقد انها ستضعف اعتلاء الاسرة للسلطة.

وكان الفصيل الآخر داخل الأسرة، الذي يدعم الإصلاح عموما تحت مظلة العائلة الحاكمة، بقيادة ابن حمد بعد ذلك ولي العهد الأمير سلمان. وقال هو ومؤيدوه أن الحكم الشامل يوفر أفضل فرصة للاستقرار الداخلي. وإذا كانت العائلة تأمل في البقاء، فعليها أن تشرك أغلبية الشعب.

وعلق حمد في الوسط بين هذه القوى المتنافسة القوية واستسلم. والإصلاح الحقيقي الوحيد الذي انبثق عن ميثاق العمل الوطني هو أن حمد أعلن نفسه الملك حمد (مقابل الأمير) وبلاده مملكة البحرين.

وقد شعرت المجموعات المؤيدة للديمقراطية والناشطين، بما في ذلك الوسط والجمري، بخيبة أمل بسبب برنامج الإصلاح المتوقف، لكنها استمرت في الرهان بالتمني على الملك الجديد. وأعربوا عن أملهم أنه حالما يتمكن ابنه، ولي العهد الأمير سلمان المعين حديثا، من وضع قوة ثقة تجاه الآخرين التقليديين المناهضين للإصلاح داخل الأسرة، حينها سيكون قادرا على توجيه والده نحو الإصلاح الحقيقي.

واستمرت الوسط في طريقها نحو الإصلاح السياسي، والحوار الوطني غير الطائفي، والمساواة بموجب القانون، والانتخابات الوطنية العادلة والحرة. وعلى الرغم من أن الصحيفة ورئيس تحريرها لا يزالان مخلصين لنهجهما السلمي إزاء التغيير السياسي لأكثر من عقد من الزمان، إلا أنهما أصبحا مصدر قلق للنظام. وواصلوا النشر، وإن كان ذلك على قدم محفوف بالمخاطر.

منذ الربيع العربي، وبروز ائتلاف شباب 14 فبراير في البحرين عام 2011، وتكشف مواجهة “أيام الغضب” ، أصبحت سياسات النظام ضد المتظاهرين السلميين أكثر دموية وأكثر حزما. وقد كتمت أجهزة الأمن وفرق مكافحة الإرهاب المدعومة من النظام جميع أصوات المعارضة، بما في ذلك الصحافة. وردا على تصاعد الضغوط والخوف على ما يبدو من البقاء، حث الملك حمد وعمه رئيس الوزراء المملكة العربية السعودية على إرسال قواتها إلى البحرين لمكافحة المعارضين. استخدم النظام الطائفية لإخضاع الأغلبية الشيعية والحفاظ على حكم الأقلية السنية على الأغلبية الشيعية. وكان السعوديون ينظرون إلى وجودهم في البحرين كإشارة للموسم المفتوح على السكان الشيعة.

ومع استمرار الانتفاضة، مشى الجمري والوسط على حبل ضيق بين التزامهما بالإصلاح بالوسائل السلمية وتصلب الفصيل المناهض للإصلاح داخل الأسرة الحاكمة. وقد ألقي القبض على آلاف الأشخاص بتهم مشبوهة وعذبوا وأدينوا في محاكمات مشبوهة. وتم حظر الوسط ثلاث مرات منذ عام 2011 على ادعاء زائف بأنه يقوض الاستقرار الداخلي. والحظر الذي فرض في 4 حزيران / يونيو أوقف عمل الصحيفة الى أجل غير مسمى.

لماذا الان؟

وكان قرار النظام ضد الوسط مدعوما من قبل الائتلاف السعودي والإماراتي والمصري والبحريني ضد قطر. رأت الأسرة الحاكمة إغلاقها للوسط كجزء من حملة الديكتاتوريات الأربعة ضد الصحافة الحرة في المنطقة. وقد اعتبر النظام قراره بحظر الصحيفة ومطالبة الدول الأربعة بأن تغلق قطر قناة الجزيرة كجانبين لعملة واحدة.

هؤلاء الدكتاتوريون يبغضون الصحافة الحرة – المطبوعة، والرقمية، والتلفزيون – لأنها ترفض أن تكون مسؤولة أمام شعبها عن فسادهم وقمعهم. إنهم يمقتون حرية التعبير والفكر ولا يستطيعون أن يلزموا أية وسائل أخرى غير الوسائل الأكثر تطرفا وتملقا وإذلالا.

وربما رأى حكام هذه الدول أن هجومهم على الصحافة سيضيع وسط الأعمال الانتقامية وحملة العلاقات العامة التي شنوها ضد قطر. كما أنهم حسبوا، حتى الآن بشكل صحيح، أن الرئيس ترامب، لا سيما بعد احتضانه المتحمس للقيادة السعودية، سيتجاهل حربهم على وسائل الإعلام ويشاطر رأيهم بأن وسائل الإعلام المستقلة والصادقة لا تقدم سوى “أخبار مزيفة”. ومنذ بدء العمليات في 2002، لم تقم الوسط والجمري تنقل “أخبار مزورة” أو تدعو إلى الفتنة. كما أنها لم تتخلى عن التزامها بالحوار الوطني السلمي.

لم تدرك الأنظمة الاستبدادية الأربعة أنه على الرغم من أن ترامب قادهم إلى الاعتقاد بأنهم حصلوا على دعمه، إلا أن إدارته ليس لديها صوت واحد مع العداء في الخليج الفارسي. وتحث واشنطن السعوديين وشركائهم على العودة من المواجهة مع قطر. وخلصت المخابرات الأمريكية إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة كانت وراء اختراق وكالة الأنباء القطرية ونشر “الأخبار المزيفة” باسم الأمير القطري. كما لم يذعن الوزير تيلرسون لمطالبتهم بإغلاق قناة الجزيرة. وستواصل قناة الجزيرة البث. حتى الآن، لا تزال الوسط والجمري الضحية الوحيدة في “الحرب الباردة” العربية الجديدة. فهل سيسمح الشعب البحريني بهذا القرار؟ (140)

مقالات ذات صلة