النفاق العالمي فشل في كسر شوكة ثورة البحرين

حIMG_0140ين يصر البحرانيون على تغيير نظام الحكم القبلي المتخلف واستبداله بما يريده الشعب، فانهم يؤكدون طبيعتهم التاريخية المتمثلة بعدد من الحقائق: الاولى انهم حين آمنوا بالاسلام واحتضنوا رسالة محمد بن عبد الله عليه افضل الصلاة والسلام طوعا، انطلقوا على اساس العقل، فرأوا فيها دعوة الحق التي تمثل قيم السماء، وفي مقدمتها الحرية والكرامة والتوحيد الصادق الذي يرفض حاكمية غير الله. الثانية: انهم ارادوا ان يتحرروا من القبلية والفئوية والاقليمية لينتموا للانسانية التي يمثلها الاسلام ويجسدها شخص الرسول واهل بيته عليهم السلام. الثالثة ان انتماءهم لدين الله دفعهم لرفض اية هيمنة اجنبية على ارضهم ووطنهم، فاعتناق الاسلام يربط بلدهم بالله ويشد شعبهم الى الامة التي اسسها رسول الله، تلك التي تجسد قيم الانسانية والوحدة بالاضافة للامر بالمعروف والنهي عن المنكر. الرابعة: ان البحرانيين الاوائل في تلك البقعة التي تتجاوز جزيرة اوال رفضوا الانصياع لغير الله، ولذلك واجهوا الغزاة الذين اعتدوا على ارضهم سواء البرتغاليين ام “الخوارج” ام الوهابيين ام البريطانيين ام الخليفيين. وفي كل هذه المواجهات تكللت جهودهم بالنصر، فخرج كل من غزا البحرين مهزوما ذليلا بدون ان ينال من ارادة شعبها او اصرارها على التحرر والايمان والكرامة. اولئك هم اجيال الايمان الذين أسسوا هوية الوطن وسكانه. ولانهم احرار تشبثوا بالعقل والعلم، فقد كتبوا في الدين وألفوا الكتب في اللغة العربية، ونظموا الشعر وشاركوا في الدفاع عن دولة الاسلام، وتمسكوا بالرسول وأهل بيته خمسة عشر قرنا متواصلة. وحين استهدفهم الامويون بقيادة عبد الملك بن مروا وسعوا لتخريب ارضهم وتدمير عيون الماء لديهم (مثل أم السجور) لم يتأثروا بذلك او يتزحزحوا عن ايمانهم وقناعات والاصرار على حريتهم. وكذلك فعلوا حين غزاهم البرتغاليون، فقاوموهم بشجاعة، حتى ارغموهم على الخروج. ومن نتيجة تلك المقاومة ان الوجود البرتغالي في البحرين لم يدم سوى ثمانين عاما من اكثر من 150 عاما استمر وجوده بمنطقة الخليج. وقاوموا الخوارج والوهابيين. وكان كفاحهم ضد الانجليز مستمراحتى خروجهم في 1971.

اليوم يصر البحرانيون على التصدي للاحتلال الخليفي، ومعه الغزو السعودي. ومن المؤكد ان توازن القوى المادية ليس لصالح الشعب، ولكن ارادة التحرر والاستقلال تسد الخلل الناجم عن انعدام التوازن. وهل هناك دليل اكبر مما يحدث في الوقت الحاضر؟ لقد استنفرت قوى الظلم والاحتلال كان امكاناتها، وسخرت اموال النفط في الحرب الجائرة على شعب البحرين، ودفع السعوديون اموالا طائلة لحماية الخليفيين سياسيا واعلاميا وعسكريا، ومع ذلك لم يتمكنوا من اطفاء شعلة الثورة المتوقدة منذ اكثر من ستة اعوام. واذا قورنت الحالة البحرانية بغيرها خصوصا في مجال ثورات الربيع العربي سيتضح ما يلي: اولا انه الثورة الشعبية الوحيدة التي بقيت طوال هذه الفترة بينما تمكنت قوى الثورة المضادة من اخماد كافة الثورات او تحويلها الى عنف واحتلال وارهاب، او الانقلاب عليها باعادة الانظمة السابقة الى الحكم. بينما استمرت ثورة البحرين واستعصت على محاولات الحرف او الاحتواء او الاخماد. ثانيا: انها الثورة التي التزمت باهدافه ورفضت القبول بنصف ثورة، فلم تساوم على اهدافها المتمثلة اساسا بتغيير النظام السياسي الفاشل واستبداله بحكم عصري يختاره الشعب، ورفضت انصاف الحلول، ولم تستعجل الحسم. ثالثا: انها بقيت ملتزمة بالحالة السلمية برغم السعي المتواصل من قوى الثورة المضادة لجرها للعنف والارهاب. وعندما لم يفلحوا في ذلك اعادوا تعريف الارهاب ليشمل من يدعو للتغيير او ينتقد السياسات الخليفية والسعودية. فما عاد الارهابي هو ذلك الشخص الذي يحمل السلاح ويستهدف الآمنين ويقتل البشر بدون حساب، بل ان من تعبر كتاباته ومواقفه عن رفض الاحتلال والاستعباد والعدوان على الآخرين، اصبح يحاكم من قبل الخليفيين كـ “ارهابي”. وفي الشهر الماضي اصدر الخليفيون قرارهم المشؤوم بالعودة للمحاكم العسكرية التي أقامها الطاغية بعد الثورة، لتحاكم الثوار المطالبين بانهاء الحكم الخليفي البغيض. رابعا: ان الشعب البحراني افشل سلاحا استخدمته قوى الثورة المضادة في البلدان الاخرى، وهو سلاح مدمر جدا يتمثل بالطائفية. والهدف منه كسر الوحدة الوطنية واظهار الحراك الثوري وكأنه ديني مذهبي. واصر البحرانيون الاصليون (شيعة وسنة) على رفض ذلك، فتماسكت اطياف الوطن في موقف رافض للطائفية ومصر على افشال المشروع الطائفي البغيض ليهتف منذ الايام الاولى: اخوان سنة وشيعة، هذا الوطن ما نبيعه”. هذا في مقابل الخطابات التي اطلقها رموز العصابة الحاكمة ابتداء بولي عهدهم وصولا الى وزير خارجيتهم، الذين ما فتئوا بتحدثون بتلك اللغة المقية في محاولة يائسة لاحداث حالة استقطاب تمنع قيام صف وطني متماسك يواصل مشوار التغيير.
خلال عمر الثورة الذي يتجاوز الاعوام الستة حدثت تطورات سياسية وعسكرية اقليمية عديدة، وقد استوعبها شعب البحرين وفهمها ضمن مشروع قوى الثورة المضادة. واستطاع التعاطي معها بمواقف تعبر عن الوعي والثبات. فوقف ضد استهداف ثورات الربيع العربي، واهاب بالثورات الاخرى لعدم الانخراط وراء دعوات التضليل ورفض القبول بانصاف الحلول، والاصرار على تحقيق المطالب الكاملة والابتعاد عن العنف والتشبث بالادوات السلمية وفي مقدمتها الثورة الشعبية المتواصلة. كما اهاب بالعلماء ورموز الفكر والسياسة رفض المشروع الطائفي الذي استخدم سلاحا ضد الثورات لاشغال الشعوب العربية وحرفها عن مسارها والهائها بما لا طائل فيه من صراعات بينية تعطل الثورات وتضعفها وتجعل الانظمة قادرة على استمالة هذا الطرف او ذاك. ثورة شعب البحرين ودعت كلا من شهدائها بهتافات التغيير، واعتبار الدماء المسفوحة ظلما وقودا لها، واستطاعت تحويل جرائم القتل الخليفية الى دوافع لمواصلة طريق الثورة. فكلما امعن الخليفيون في القتل والتعذيب والسجن واسقاط الجنسية وابعاد الاحرار واستقدام المرتزقة، ازداد الشعور الشعبي تعمقا بضرورة التغيير. فلا مجال للتعايش مع طغمة مجرمة واجهت الشعب باستهدافه في مقدساته باتداء بهدم المساجد واثارته النعرات المذهبية واعتدت على رموز الثورة ونشطائها بدون رأفة. وامام العالم اصبح الخليفيون رموزا للظلم والتخلف، وهذا ما اوضحه تقرير بسيوني والتوصيات الكثيرة التي صدرت عن مجلس حقوق الانسان والبرلمان الاوروبي والمنظمات الحقوقية العديدة. بينما حظي شعب البحرين باحترام العالم، ولم يستطع احد النيل من مصداقيته ونقاء سريرة ابنائه. سعوا لاقحام ايران في القضية البحرانية وغيرها، وان لها مصالح تسعى لتحقيقها بهذه التدخلات. ولا يستطيع احد انكار ان لايران مصالح وانها تسعى لضمانها, ولكن السؤال الاهم: من الذي يتدخل عمليا منذ ستة اعوام عسكريا وامنيا وماليا؟ أليس الجيش السعودي هو الذي غزا البحرين في 2011 ولم تسحبها حتى الآن؟ أليست هي التي تشن عدوانها العسكري الاجرامي على اليمن منذ اكثر من عامين؟ أوليست السعودية هي من دعم الارهابيين في العراق وسوريا؟ أليس من مصلحة المنطقة والعالم الضرب بيد من حديد على من يخترق الحدود ويبعث طائراته لتقذف حمم الموت على اهل اليمن؟
النفاق من اخطر آفات النظام السياسي الذي حكم العالم منذ الحرب العالمية الثانية، وما يزال يغذى بالدعاية الاعلامية والتهويلات الايديولوجية والحروب العسكرية. ثورة البحرين كشفت هذا النفاق بجلاء حين صمت “العالم الحر” عن الجرائم التي ارتكبتها القوات السعودية والخليفية والاماراتية، ولم تحرك ساكنا لوقف العدوان الذي حدث في منتصف مارس من العام 2011. هذه الثورة استعصت على الانكسار وبقيت رمزا للتحدي الشعبي للتدخلات الاجنبية والنفاق الغربي. وستواصل طريقها معتمدة على الله وحده لتشق للشعب طريق الحرية ولتحفر للطغاة والظالمين والمستبدين والغزاة قبور الهزيمة والانكسار. تلك هي ارادة الله سبحانه، وهدف ثوار الوطن، وتلك هي الحتمية التاريخية التي تصيب الظالمين وتبهتهم فلا يستطيعون ردها، ويندحرون الى الابد. اما ثورة الشعب فقد انطلقت لتبقى حتى النصر ولتصنع لهذه الامة مستقبلا واعدا بالحرية والاستقلال والخير، وذلك ما تريده شعوب العرب والمسلمين.
اللهم ارحم شهداءنا الابرار واجعل لهم قدم صدق عندك، وفك قيد أسرانا يا رب العالمين
حركة احرار البحرين الاسلامية
29 ابريل 2017

  (169)

مقالات ذات صلة