اخر الاخبار

السياسات السعودية تؤسس لربيع عربي أشد صرامة

IMG_0575السياسات السعودية تؤسس
لربيع عربي أشد صرامة

لم تشهد منطقة الخليج منذ ازمة الكويت في 1990 توترا كما هي عليه الآن. هذه المرة حدث التوتر نتيجة السياسات السعودية التي اصبحت نسخة اخرى من سياسات العراق في عهد صدام حسين. فكما شن طاغية العراق حربه المشؤومة على ايران في 1980 واستمرت ثمانية اعوام واحدثت دمارا بشريا وماديا هائلا للبلدين، ارتكب حكام السعودية حماقة مماثلة بعدوانهم على اليمن قبل اكثر من عامين. وكما ان صدام حسين لم يستطع هزيمة ايران او تركيعها، فكذلك السعودية لم تستطع إلحاق الهزيمة باليمن الصامد الذي تحول الى صخرة تكسرت عليها احلام الرياض. انتهى التدخل العراقي في الكويت بحرب شرسة سحقت قواته في الكويت ثم بدأت حصارا ظالما على العراق استمرا 13 عاما. والسعودية احتدت حذوه واستهدفت قطر هذه المرة، فحاصرتها بوحشية وسعت لاجبارها على الاستسلام. وبعد اكثر من اسبوعين على فرض الحصار اصدرت السعودية قائمة بشروطها لانهاء الحصار. هذه الشروط تعجيزية وغير واقعية ولا يمكن تنفيذها. ولذلك لم تنتظر قطر طويلا قبل ان تعلن رفضها تلك الشروط جملة وتفصيلا. صدام حسين شعر انه يمتلك اكبر قوة في المنطقة فأقدم على مغامرته الفاشلة في الكويت التي ادت في النهاية لسقوط حكمه. والسعودية اليوم لديها شعور مماثل، فهي تملك اكبر ترسانة عسكرية انفقت عليها مئات المليارات على مدى الاربعين عاما الاخيرة. صدام حسين دمر العراق بسياساته حتى اصبح فريدا، وازداد ضعفه بعد ان دخل في صراع مع عائلته حتى قتل صهريه، حسين وصدام كامل، فضعفت شوكته واحتوشه القوم حتى اسقطوا حكمه. وهذا ما فعله محمد بن سلمان الشهر الماضي عندما قام بانقلاب على ابن عمه، محمد بن نايف، وازاحه عن ولاية العهد وجرده من كافة صلاحياته. ويتوقع ان يتنازل والده، سلمان، عن الحكم اما طوعا او بانقلاب من داخل القصر. وهكذا يبدأ البيت السعودي في التصدع من الداخل ويعين الآخرين عالى نفسه.
هذه التغيرات السريعة التي تشهدها منطقة الخليج لها اسبابها وتداعياتها. فانقسام مجلس التعاون على نفسه بداية نهاية هذا التحالف الذي تأسس في العام 1981 في ذروة الحرب العراقية الايرانية، بهدف حماية العائلات الحاكمة من شعوبها. ومع ان بداياته كانت مقبولة من قبل الدول الست المشاركة فيه الا انه تحول تدريجيا الى منطقة نفوذ سعودية تم فيها تهميش الاعضاء الآخرين. مجلس التعاون تحول تدريجيا الى كابوس ثقيل، وبشكل تدريجي عصفت به المشاكل الداخلية. مع ذلك استمر في عقد قممه بشكل منتظم، ولكن الخلافات حالت دون حضور الجميع تلك القمم، وحدثت مقاطعات من بعض دوله بين الحين والآخر. فلم يستطع المجلس التوافق حول نظام حكم موحد تمارسه كل العائلات الحاكمة، بل بقي لكل عائلة طريقتها الخاصة في التعامل مع مواطنيها. وبقيت الكويت، كما كانت قبل قيام المجلس، متميزة بتجربتها البرلمانية التي استمرت برغم العواصف التي عصفت بمجلس الامة مرارا. اما سلطنة عمان فكانت واعية للدور السعودي، وهددت اكثر من مرة بالانسحاب منه. وفي 2014 هدد وزير خارجيتها بانسحاب بلده من مجلس التعاون اذا ما اصرت السعودية على تفعيل مشروع الاتحاد الخليجي. والسبب ان الاتحاد يعني انصهار دوله في البوتقة السعودية بشكل كامل، الامر الذي ترفضه اغلب دول المجلس، في ما عدا العصابة الخليفية التي استسلمت للسعودية وتخلت عن السيادة لها. وفي ما عدا الاتفاق حول التعرفة الجمركية لم تحدث توافقات ذات مغزى. فبقي المشروع الدفاعي المتمثل بـ “درع الجزيرة” مشروعا محدودا لا يسمن ولا يغني من جوع. وفشلت هذه القوة التي تتخذ من قاعدة حفر الباطن السعودية مقرا لها في حماية دول المجلس. وحين اجتاحت القوات العراقية ارض الكويت في 1990 عجزت تلك القوة عن اطلاق رصاصة واحدة بوجه الاجتياح. ولم يكن لها دور يذكر في الحرب اللاحقة التي شنها الحلفاء بقيادة امريكا على القوات العراقية المتمركزة في الكويت. وحتى الانضمام لمنظمة التجارة العالمية لم يحدث بشكل جماعي، بل انضمت كل دولة منفصلة عن الاخرى. كما ان اتفاقات التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الامريكية لم تحدث بشكل جماعي بل بشكل منفرد. كما وقعت دول الخليج مع الولايات المتحدة اتفاقات دفاعية منفصلة، الامر الذي يعكس فشل الاستراتيجية الدفاعية التي كانت موضع نقاش فترة طويلة.
مجلس التعاون الذي لم يحقق للشعوب ما كانت تطمح فيه من استقرار امني او انفراج سياسي، لم يحقق للانظمة نفسها الامن الذي تنشده. لقد كانت ايران هي العنوان الاوسع الذي طرح منذ عقود لتبرير تشكيل المجلس، وتم شحن الشعوب بمشاعر العداء لايران، واعتبارها مصدر التهديد الاساس لدول مجلس التعاون. ولكن الذي حدث غير ذلك تماما. فقد تعددت حالات توتر العلاقات بين دول المجلس، فتارة حول الحدود بين الدول الاعضاء واخرى حول هوية المجلس وحدوده وما اذا كان مناسبا ان يتحول الى اتحاد كامل. فقد حدثت مصادمات دموية بين القوات السعودية والقطرية عند مركز الخفوس القطري في 1992 قتل فيها ضابطان، سعودي وقطري. وحدثت مشادات بين السعودية والامارات حول حقل الشيبة الذي بدأت السعودية انتاجها منه برغم احتجاج الامارات. وما تزال الكويت تشعر بالغبن بسبب سيطرة السعودية على عدد من المناطق، ابتداء بما كان يسمى “المنطقة المحايدة” بين البلدين مرورا بمنطقة الخفجي وصولا الى جزيرتي ام المرادم وكاروه. كما حدثت مشادات بين السعودية ومعها البحرين مع قطر بسبب تغطيات قناة الجزيرة، وتم سحب السفراء اكثر من مرة. وجأءت الازمة الحالية لتوصل العلاقات بين دول المجلس الى حافة الانهيار، وتهدد وجوده كتحالف اقليمي استثمرت السعودية فيه كثيرا. ومع ان من السابق لاوانه التنبؤ بمستقبل مجلس التعاون في ظل الاحتقان الحالي، الا ان اهداف السعودية وشروطها للمصالحة مع قطر تحول دون التوصل الى تفاهم ذي معنى بين الطرفين. ومع تمترس الطرفين وراء الدعم الخارجي سواء من امريكا ام تركيا تتضاءل احتمالات التسوية وتتصاعد مرجحات الطلاق بين فريقين داخل المجلس: قطر والكويت وسلطنة عمان من جهة، والسعودية والامارات والبحرين من جهة اخرى. انه وضع مقلق حتى لحلفاء مجلس التعاون خصوصا الامريكيين والبريطانيين. فهؤلاء استثمروا كثيرا في تلك العلاقات وزودوا انظمة الخليج بخبرات امنية واسعة على امل ضمان امن العائلات الحاكمة. فحين تحدث القطيعة شبه الكاملة بين السعودية وقطر، فان ذلك سبب متين لتصدع المجلس بشكل نهائي، خصوصا مع تعمق مشاعر العداء بين انظمة الحكم لاسباب شتى.
الانقلاب السعودي سيزيد الوضع تعقيدا. ومع استمرار ثورة شعب البحرين واصراره على الصمود في مواقعه الفكريه والسياسية يبدو من الصعب تجاوز الازمة الحالية بدون اثمان سياسية كبرى. والارجح ان يؤدي هذا المخاض العسير الى اوضاع شبيهة بتلك التي سبقت انفجار ثورات الربيع العربي قبل سبعة اعوام، تلك الثورات التي سعت السعودية لوأدها جميعا بلا رحمة. واستخدمت لذلك اسلحة قذرة تمثلت ببث التطرف والطائفية والارهاب لتكون اسلحة فتاكة تساهم في بث الرعب في نفوس البشر لردعها عن التفكير في التغيير او الثورة. هذه المرة ستكون الثورات الوشيكة اوسع وأشمل، ولن توفر ايا من هذه الانظمة الاستبدادية القمعية. ثورة البحرين ستكون الخيط الواصل بين الجيل الاول من ثورات الربيع العربي والجيل الثاني من صحوة الامة ويقظتها. فما تعيشه الامة من اوضاع عامل اساس لتحريك الجماهير مطالبة بالتغيير الحقيقي وكسر ارادة الثورة المضادة التي تقودها السعودية وتشارك فيها “اسرائيل” وامريكا بشكل خاص. ان السعودية بسياساتها المتوحشة ستحفر قبورا لنظامها العنف وانظمة الاستبداد والقمع الاخرى في المنطقة. وهذا ما سيحدث باذن الله في المستقبل غير البعيد، ليطيح بالديكتاتورية والطغيان ويضع حدا للاستبداد خصوصا ما تمارسه القبائل الحاكمة بدول مجلس التعاون وعلى رأسها آل سعود. (127)

مقالات ذات صلة