إذا كان لليهود “حق إلهي” في فلسطين بزعم العهد، فإن لرجال الله شرف زوالهم بموجب الوعد..

اIMG_5272لإثنين , 20 مارس 2017 الغلاف, بانوراما الرأي

خاص: بانوراما الشرق الوسط

أحمد الشرقاوي
دولة للفلسطينيين على الماء..

قال ولي عهد النظام الصهيوني في البحرين المدعو ‘سلمان بن حمد آل خليفة’، أن “لليهود الحق الإلهي في أرض إسرائيل” كما سماها بدل فلسطين، مضيفا، أن للأعراب “خطة لبناء جزيرة اصطناعية بمسافة 200 ميل بعيدة عن المياه الدولية الخالصة للدول الأخرى، يتم استقبال الفلسطينيين فيها”، ما يقتضي ترحيل الفلسطينيين من أرضهم التاريخية، واستقبال المُهجّرين منهم في الشتات على أرضهم الاصطناعية الجديدة.

لكن ما لم يوضحه هذا المخلوق العجيب هو، هل سيتم بناء مُجسّمات للمسجد الأقصى وكنيسة القيامة وغيرها من المقدسات الدينية (الإسلامية والمسيحية) وسط الجزيرة الاصطناعية، أم أنه سيتم التنازل عنها ومحوها من ذاكرة الشعوب وسجلات التاريخ، ما يستوجب أيضا تعديل نصوص الإنجيل والآيات القرآنية التي تتحدث عنها انتصارا لرؤية “يهوه” رب اليهود ضدا في وعد رب العالمين بزوالهم الحتمي على يد رجال الله المجاهدين.

وواضح أن مثل هذا المشروع الكبير يتطلب حتما هندسة سكانية عرقية إقصائية للحفاظ على نقاء “الدولة اليهودية”، والتي لا يمكن أن تتم إلا من خلال عملية “ترانسفير” جديدة تفوق بحجمها ما عرف زمن النكسة أضعافا مضاعفة.

هذا الموقف من وجهة نظر أعراب الخليج، يمثل رؤية جذرية لحل معضلة الصراع “الإسرائيلي – الفلسطيني” بعد أن لم يعد صراعا “عربيا – إسرائيليا” بقرار من الجامعة العبرية، لأنها رؤية تنتصر لحق اليهود في أرضهم التاريخية احتراما لعهد “يهوه” كما يزعمون من جهة، وانتصارا للدولة الفلسطينيين الجديدة التي ستكون على الماء احتراما لرغبة سلطة العميل ‘محمود عباس’ من جهة ثانية..

وبذلك، ينتهي هذا الصداع المزمن إلى الأبد وتنعم المنطقة بالأمن والسلام، وتسحب من إيران ورقة المقاومة ضد شعب الله المختار التي ترعب المجرمين الصهاينة وتقض مضاجع أمراء الخليج الخونة.

والحقيقة أن هذا الهراء لا يمكن أن يمر مرور الكرام دون أن نتوقف عند ما أسماه هذا الأعرابي الجاهل بـ”حق اليهود الإلهي في إسرائيل”، لما في العبارة من خلط وتداخل بين مفهوم الحق التاريخي والقومي الزائف والحق الديني المزعوم.

من حيث الحق التاريخي والقومي..

هذا الادعاء، يستند إلى مقولة أن أجداد اليهود سكنوا فلسطين قديما، لكن من يروجون له لا يذكرون إن كانت فلسطين حينها أرضا خلاء بلا شعب أم كانت تقطنها شعوب أخرى انحدر من صلبها شعب العمالقة الذي ارتبط إسمه اليوم باسم أرضه.

يذكر التاريخ الذي لم يستطع اليهود تزويره كما فعلوا مع الهولوكوست، أن فلسطين التي هي جزء من أرض الشام كان يقطنها شعب كنعان، والكنعانيون هم في الأصل قبائل عربية هاجرت من شبه الجزيرة العربية وأرض نجد والحجاز واليمن هربا من القحط والجفاف الكبيرين اللذان ضربا المنطقة قبل حالي 3500 سنة، وانصهروا مع قوميات أخرى في بلاد الشام كالفينيقيين و اليبوسيين والآراميين والآشوريين والبابليين والهكسوس، وقد سجل التاريخ حروبا ضروسة دارت بينهم وبين الغزاة العبرانيين والفراعنة والبابليين والفرس والرومان والصليبين فالأتراك وبعدهم الإنجليز الذين سمحو للصهاينة بإقامة دولتهم الهمجية على أرض عربية.

ويذكر التاريخ أيضا، أن العبرانيين سمو بهذا الاسم نسبة إلى “عابر” أحد أجداد إبراهيم من ذرية سام، وهم عراقيون عبروا نهر الفرات إلى فلسطين في القرن العشرين قبل الميلاد، وعرفوا بـ”الخابرو” الذين اشتغلوا كصناع تقليديين وجنود وعبيد لدى الملوك الكنعانيين.

أما القدس الشريف، فتذكر الروايات التاريخية أن من بنى المدينة هو ملك عربي يدعى ‘سالم’ وكانت تسمى “أور شليم”، أي “مدينة سليم”، لأن ‘أور’ تعني المدينة – و ‘شليم’ هو اسم الملك ‘سليم’ حيث حرف ‘الشين’ كانت ينطق ‘سينا’ في اللغة الأرامية القديمة.

وفي عهد نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام كانت فلسطين يحكمها ملك عربي يدعى ‘ملكي صادق’، توجته الممالك المحيطة بفلسطين باسم “ملك الملوك”، وزاره نبي الله إبراهيم بعد أن سمع أنه من الموحدين يتمتع بدماثة الخلق والاستقامة، لدرجة جعلت الملوك العشرة في المنطقة يسمونه بـ”ملك البر” و”سيد العدل”، وخلال الزيارة قدم لنبي الله إبراهيم الخبز وعصير العنب دليلا على حبه وإكراما لمقامه.

وكان احتلال العبرانيين لفلسطين عسكريًا زمن يشوع بن نون الذي تولى قيادتهم اثر وفاة موسى عليه السلام قبل دخوله أرض فلسطين وهو يعبر نهر النيل بشعبه هربا من فرعون وجنود. وبعد انتصاره واحتلاله لفلسطين قسّمها بين الأسباط الاثني عشر أبناء يعقوب (المسمى إسرائيل) بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. وظهر لأول مرة نظام القضاة في فلسطين وعددهم أربعة عشر قاضيًا، وكان ‘صاموئيل’ آخرهم نصب ملكا على العبرانيين من قبل ‘شاول’.

و’شاول’ هو أول ملك عبراني. وبه بدأ تنظيم الدولة العبرانية في فلسطين، واتسعت حدود المملكة زمن شاول وداود وسليمان وازدهرت. لكن عزها لم يدم إلا عشرات من السنين، حيث انقسمت المملكة في القرن العاشر قبل الميلاد بعد موت سليمان، فعاد اليهود إلى معتقداتهم الوثنية القديمة، ونشبت الحروب بين المملكتين (مملكة إسرائيل في الشمال ويهوذا في الجنوب) وضعفت قواهما ووهنتا، وطمعت فيهما الشعوب المجاورة، وأخذت تقضم من حدودهما، إلى أن انقضّت أركانهما، فسبي أهل مملكة الشمال سنة 721 ق.م. إلى بابل..

ومن هذه الواقعة بالتحديد جاء مصطلح “السّبي” التي يدّعي اليهود أنه كان السبب في إخراجهم من أرض أجدادهم التاريخية وطردهم لبلادهم الأصلية بابل العراقية.

ولسوء حظ اليهود، أن التوراة تذكر هذه الحقائق حول الشعوب التي استوطنت فلسطين في الأزمنة الغابرة بأسمائها، وتذكر أيضا المعارك التي خاضتها ضد العبرانيين الغازين، ولا زال أبناء تلك الشعوب مقيمين في فلسطين لم يغادروها إلى يوم الناس هذا، بل من غادرها هم بنو “إسرائيل” الذين لم يبقى من نسلهم اليوم أحدا بشهادة مؤرخين يهود.

أما ما يسمى بـ”الشعب اليهودي” الحالي، فهو عبارة عن تركيبة هجينة مركبة من قوميات مختلفة لا علاقة لها بذرية يعقوب المسمى بإسرائيل، ولا يملك يهود اليوم في العالم أجمع دليلا واحدا يؤكد انتسابهم لأجدادهم المزعومين في فلسطين السليبة، ومعلوم أن من استقدموا إليها من كل أصقاع الأرض بعد الاحتلال عام 1948 هم شرذمة من القوميات والأجناس والملل والنحل التي لا علاقة لهم بفلسطين من قريب أو بعيد ليكون لهم حق تاريخي فيها باسم حق قومي ابتدعته الصهيونية العلمانية زمن ‘هرتزل’ كما هو معلوم، مستغلة العامل الديني لتقوية الوازع القومي من خلال الترويج لعودة مملكة داود وإقامة الهيكل على أنقاض المسجد الحرام تمهيدا لعودة المسيح عليه السلام ليخلص الصهاينة من أعدائهم المسلمين.

ومصدر هذه البدعة مقولة ‘هرتزل’ الشهيرة التي زعم فيها أن “اليهود بقوا شعبا واحدا وعرقا متميزا، وإن قوميتهم المتميزة لا يمكن ولن، ويجب أن لا تتقوض، لذلك لا يوجد غير حل واحد فقط للمسألة اليهودية، وهي الدولة اليهودية” (الصهيونية والعنصرية 1 / 24).

وبذلك أصبح اليهودي العربي والكردي والفارسي والإفريقي والأوروبي والصيني وغيره… ينتمي إلى قومية واحدة ضدا في تعريف القومية التي تفيد الجنسية في التعريف القديم والوطنية في التعريف الحديث.

لكن قمة الافتراء تجلى في زعمهم أنهم عرق نقي لم يختلط بأعراق أخرى، وها هي التوراة تكذبهم وتقول: (فسكن بنو إسرائيل وسط الكنعانيين والحثيين والأموريين والفرزيين والحويين واليبوسيين، واتخذوا بناتهم لأنفسهم نساء، وأعطوا بناتهم لبنيهم، وعبدوا آلهتهم) الإصحاح 3 / 5 – 6.

والتوراة بدورها لا تستثني أنبياءهم أيضا، حيث تذكر أنهم “تزوجوا من نساء أجنبيات فـاختلط الزرع المقدس″، الأمر الذي قضى نهائيا على أسطورة “نقاء العرق”. ومعلوم أن الديانة اليهودية كانت قد انتشرت في الأزمة الغابرة في العراق ومصر والشام واليمن وشبه الجزيرة العربية وشمال إفريقيا والصومال وإثيوبيا وآسيا، فاختلط النسل وتداخلت الأمم بسبب أن اليهود قضوا عشرين قرنا ينشرون ديانتهم ويتزوجون من نساء الشعوب التي يعيشون معها يزوجون بناتهم لأبنائها طوال عشرين قرنا قبل مقدم المسيح عليه السلام ليبدأ عصر التبشير.

فعن أي شعب يهودي نقي العرق يتحدث هرتزل وغيره من اليهود المفترين؟.. هذه أكبر كذبة أطلقها الصهاينة وصدقها الجهلة والأغبياء.

يقول عالم الإنتربولوجيا ‘أوجين بتار’ أستاذ الأجناس بجامعة جنيف: “إن اليهود عبارة عن طائفة دينية، اجتماعية، انضم إليهم في جميع العصور أشخاص من أجناس شتى، جاؤوا من جميع الآفاق، منهم الفلاشة سكان الحبشة، ومنهم الألمان ذوي الشحنة الجرمانية، ومنهم التامل السود في الهند، والخزر من الجنس التركي، ومن المستحيل أن نتصور أن اليهود ذوي الشعر الأشقر الكستنائي والعيون الصافية اللون، الذين نلقاهم في أوروبا الوسطى، يمتون بصلة القرابة – قرابة الدم – إلى أولئك الإسرائيليين القدماء، الذين كانوا يعيشون بجانب نهر الأردن”. (اليهود والتحالف مع الأقوياء – د. نعمام عبد الرزاق السامرائي / ص 151 – 152).

ويذهب الكاتب اليهودي ‘إبراهام ليون’ لأبعد من غيره حين يقول: (إن اليهود يشكلون في حقيقة الأمر خليطا عرقيا متنافرا، والسبب الرئيس في ذلك هو طابع التشتت الملازم لليهودية، وحتى في فلسطين كان اليهود بعيدين عن تشكيل عرق صاف” (الماركسية والدولة الصهيونية – أديب ديمتري. ص 32).

وبالتالي، “فإذا كان لكل من يدعي حقا تاريخيا بحكم انتسابه لشعب قديم وأرض معينة الحق في العودة إليها، فعلى الأمم المتحدة أن تعيد هندسة سكان العالم من جديد، وحينها لن يبقى شعب في مكانه ولا وطن على حاله، وهذا هو عين العبث” (اليهود والتحالف مع الأقوياء – د. عبد الرزاق السامري ص146) بتصرف.

من حيث الحق الديني..

هذا الزعم، يستند إلى نصوص دينية وردت في التوراة تقول، بأن الله وعد إبراهيم عليه السلام بأن يعطيه وذريته أرض كنعان وما حولها، وبموجب هذا الحق قال لليهود “كل شبر تطأه بطون أقدامكم أعطيه لكم”.. وهذا هو “الحق الإلهي” المزعوم الذي يتحدث عنه المخلوق ولي عهد البحرين.

هذا الكلام تم تحريفه في التوراة بشهادة 3000 من القساوسة الذين قاموا بدراسته بتكليف من الكنيسة الكاثوليكية، حيث خلصوا إلى أن “كلام الرب قد اختلط بكلام البشر، وأن العهد المذكور قد نسخ زمن عيسى عليه السلام” (نفس المصدر السابق ص 147).

ويؤكد القرآن الكريم هذه الخلاصة الموضوعية الدقيقة بتوضيحه أن عهد الإمامة الذي أعطي لإبراهيم الخليل عليه السلام وورثه من بعده يعقوب (إسرائيل) وذريته الإثنا عشر كان مشروطا بالعدل والخيرية.. العدل لقوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) البقرة: 40. والخيرية لقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون واكثرهم الفاسقون) آل عمران: 110.

ومعنى الآيتين واضح لا يحتاج لتفسير، لكن من يتابع مسار النشأة والتكوين في القرآن الكريم سيقف عند الخلاصة التي وصل إليها القساوسة بقولهم “إن العهد المذكور قد نسخ زمن عيسى عليه السلام”.. ومعنى ذلك، أن المسيح عليه السلام مثل مرحلة انتقالية بين العهد الذي ورثه يعقوب ودريته وانتهى بانتهاء نسلهم لينتقل بتبشير من المسيح عليه السلاح إلى نبي الله أحمد وآل بيته من بعده وفق نفس الحصة الإثنا عشرية التي استفاد منها بنو إسرائيل وفق ما اقتضت الحكمة الإلهية، وهذا أمر يدرك بالخلاصة الموضوعية من مسار النشأة والتكوين ومقتضى العدل الإلهي الذي تنظمه سننه في الخلق بلا تبديل ولا تغيير.

ومرد ذلك، أنه سبق في علم الله العلي العظيم أن اليهود سيختلفون بعد أن جاءهم العلم من ربهم، وسينقلبون على العهد ويخلفون الوعد ويحرفون الكلام عن مواضعه، وسيعثون في الأرض إجراما وفسادا بدعوى أنهم شعب الله المختار صاحب العهد الأزلي.. فكذبهم الله تعالى بمعجزة خلق عيسى عليه السلام من غير نسلهم بنفخة إلهية مقدسة، معلنا بذلك أن العهد لا يكتسي الطابع الأزلي كما يزعمون، وأنه تعالى قرر قطعه من نسلهم المتصل بإسحاق وزوجته سارة، والذي توارثه الأسباط أو طوائف بني إسرائيل الإثنا عشر من أحفاد يعقوب وأصغرهم نبي الله يوسف الذي عاش زمن الهكسوس في مصر، وقال عنهم النبي محمد صلى الله عليه وآله (كريم ابن كريم ابن كريم).. ونقله إلى نسل إسماعيل وزوجته هاجر من آل بيت النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي بشر بمقدمه رسول الله إلى بنو إسرائيل عيسى بن مريم عليه السلام.

وبنزع العهد منهم وإعطائه لنبيه محمد وآل بيته الأطهار من بعده، يكون قد أسقط عمليا زعم اليهود بأزلية العهد وأبديته وبخيرية شعبهم المفضل على بقية الشعوب، لأن عيسى عليه السلام لم يأتي من نسلهم، بل من روح الله الذي وضعها جبريل الأمين في بطن مريم العذراء كما أسلفنا القول، والأم هنا هي وعاء فيما النسب وفق التعريف القرآني لا يكون إلا من صلب الأب بقوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على انفسهم الست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) الأعراف: 172.

وتجذر الإشارة هنا، إلى أن اليهود قبل عيسى عليه السلام كانوا يتحدثون عن أبناء يعقوب الإثنا عشر فينسبون العهد للآباء، لكنهم بعد أن أدركوا أن السماء نزعت العهد منهم بمقدم المسيح عليه السلام، أصبحوا يروجون إلى أن اليهودي النقي الذي ينتمي إلى شعب الله المختار هو المنحدر من أم يهودية الدم.

ووفق هذه القاعدة المبتدعة أصبحت سارة زوجة إبراهيم الخليل عليه السلام يهودية قبل حتى ظهور مصطلح اليهودية في حين أنها كانت عبرانية ممن عبروا مع إبراهيم الخليل من أور العراقية إلى فلسطين الكنعانية العربية، وبذلك حاولوا نزع شرعية العهد عن ذرية إسماعيل عليه السلام، أول أولاد إبراهيم، لا لشيئ سوى لأن أمه هاجر كانت جارية مصرية والرسول محمد صلى الله عليه وسلم الذي ورث العهد من ربه كان عربيا من نسل إسماعيل الذي أكرم الله أمه بماء زمزم وأكرمه الله ببناء الكعبة المشرفة بمعية والده، واختبر به تعالى إيمان إبراهيم الخليل أب الأنبياء والرسل حين أمره بذبح فلدة كبده فنجح في الامتحان واستحق عهد الإمامة فكان أمّة كما يقول عنه تعالى، وهي التضحية العظيمة التي زورها اليهود وقالوا أن من تطوع للذبح هو إسحاق وليس إسماعيل، في حين أن الأول هو أكبر أولاد إبراهيم، ومن ذرية إسماعيل إثنا عشر ولدا.. ورقم إثنا عشر في القرآن الكريم له علاقة بعهد الإمامة عند أبناء وحفدة إسحاق وإسماعيل عليهم السلام جميعا، وهذا سر عظيم لا يدركه إلا العارفون المقربون الذين فتح الله بصرهم وبصيرتهم وألقى النور في روعهم.

وقد ذهب اليهود في تزوير كلام الرب مذاهب غريبة وبعيدة، حيث يذكر ‘روجي غارودي’ في مؤلفه الذي أثار حنق اليهود وحقدهم عليه “الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية”، أن اليهود يرفضون أن يكون عهد الرب مشروطا بالعدل والخيرية، مستندين في ذلك على ما جاء في “أسفار التثنية” التي أطلق عليها غارودي “أسفار العنصرية” ما نصه: (ليس لأجل برك وعدالة قلبك تدخل لتمتلك أرضهم، بل لأجل إثم أولئك الشعوب يطردهم الرب إلهك من أمامك، ولكي يفي بالكلام الذي أقسم الرب عليه لآبائك إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فاعلم أنه ليس لأجل برك يعطيك الرب إلهك هذه الأرض الجيدة لتمتلكها، لأنك شعب صلب الرقبة) سفر التثنية: الإصحاح 9 من 5 إلى 6.

إلى هذا الحد وصل بهم التطاول على الله وتزوير كلامه، رافضين أن يكون العهد مشروطا بالعدل والبر والخيرية، فابتدعوا نصا توراتيا يستبعد هذا الشرط من العهد، ولهذا عندما يجرمون في حق الشعوب في المنطقة يروجون أنهم يقومون بذلك تنفيذا لأمر الرب، وأنهم بذلك فوق القانون والمحاسبة.

فأي رب هذا الذي يسمح لأتباعه بالظلم والعنصرية بموجب عهد لشعب اختاره وأعطاه الحق الإلهي في ارتكاب ابشع الجرائم في حق الشعوب الأخرى والسيطرة على أرضهم وطردهم منها؟.. من يقبل من البشر بعبادة هذا الرب الذي يشرع العنصرية والإجرام ويحرض على القتل والذبح والسرقة والاغتصاب؟.. وما الفرق بينه وبين الشيطان ذاتا وموضوعا؟.. أو ليست هذه هي طبيعة “داعش” التي ينسبونها إلى تعاليم الإسلام لتشويهه؟..

ودليل كذب اليهود يؤكده الإنجيل والقرآن والتاريخ أيضا، فبعد عهد داود وسلميان عليهما السلام الذي دام لبضعة عشرات من السنين فقط لا غير، انتهت سيطرتهم على فلسطين وشردهم الله في كل أصقاع الأرض وبقيت الأرض لأصحابها يزرعونها ويعيشون على خيراتها إلى ما قبل النكبة التي تسببت فيها خيانة أعراب الزيت تحديدا عام 1948 وعلى رأسهم المهلكة الوهابية صنيعة الاستعمار البريطاني.

والسؤال هو: إذا كان الله يحب اليهود ويكره أعدائهم، فلماذا شرد شعبه المختار وعرضه للسبي قديما ولم يفعل ذلك ببقية الشعوب؟.. ولماذا حل بهم الهولوكوست في العصر الحديث وطردوا من أوروبا بعد أن نبذوا وعوملوا بعنصرية واحتقار غير مسبوق في التاريخ، ولم يحصل ذلك مع القوميات الأخرى؟.. أليس هذا عقابا إلهيا لاحقهم عبر تاريخهم الأسود؟.. ثم لماذا هزمهم في حرب لبنان وغزة عندما واجهو رجال الله المجاهدين المخلصين؟.. والقادم أعظم، بدليل الوعد الإلهي في سورة الإسراء بسبب كفرهم وانقلابهم على عهد الله حين استبدلوا عبادته بعبادة العجل وقتلوا أنبيائه وحرفوا كلامه وعثوا في الأرض إجراما وفسادا..

وهل بعد الكفر من ذنب؟.. اسمعوا ما يقوله الإصحاح 9 من 15 إلى 16 كيف يأمر “يهوه” اليهود بالتوحش: (ها أنذا أطعم هذا الشعب أفسنتينا وأسقيهم ماء العلقم، وأبددهم في أمم لم يعرفوها ولا آبائهم، وأطلق وراءهم السيف حتى أفنيهم)، أليس هذا قمة الحقد والكراهية والإرهاب والإجرام؟..

لذلك نقول، أنه إذا كان لليهود حق تاريخي وقومي وإلهي في فلسطين بزعم العهد، فإن للمجاهدين في حزب الله والمقاومة الشريفة في فلسطين والمنطقة شرف زوالهم والقضاء على شرهم وعهرهم وفتنهم بموجب الوعد.

والوعد الذي نتحدث عنه هو الوارد في سورية الإسراء، نعتقد أنه أصبح اقرب من أي وقت مضى لاكتمال شروطه ونضوج ظروفه، وهذا موضوع يحتاج لتفصيل آخر في مقالة أخرى بإذن الله..

ولا أستبعد شخصيا أن يكون الله اختار سماحة السيد حسن نصر الله ليقود معركة يوم الله الأكبر إيذانا بقرب مقدم الإمام المنتظر وتمهيدا لتحرير مقدسات المسلمين في الحجاز بعد فلسطين، والله بالغ أمره قد جعل لكل شيء قدرا.

26
شارك هذا الموضوع:
inShare
Telegram
معجب بهذه:

inShare (148)

مقالات ذات صلة